أهمية التراث الفكري:
للتراث عموما اهميته في تأمين التراكم المعرفي وتكدس الكسب المادي
البشري، وتوجيه و تشكيل فكر و سلوك غالب افراد وفئات المجتمعات.
ويعد التراكم المعرفي والمادي اساس استمرار تطور المعرفة
والامكانيات البشرية وما انبنى على ذلك من التطور الحضاري المتواصل.
ولولا هذا التراكم المعرفي و المادي الذي يؤمنه التراث لما ملك
العقل البشري أن لا يرتكس ويرتد الى طفولته البدائية ويرتد معه
الانسان الي ما كان من معاناته القاسية في بدايات تاريخه. و يعد
الادراك المتنامي لاهمية دور التراث في توجيه وتشكيل فكر وسلوك
المجتمعات ، بما فيه مواقفها تجاه المجتمعات الاخرى، احد اسباب ما
يشهده العالم اليوم من تزايد محاولات الاختراق او التدخل الثقافي
بغية اجراء ما يلزم من تغيير في التراث الثقافي لاعادة تشكيل
سلوكيات وافكار المجتمعات.
وبعيدا عن تلك الاهمية الكلية الحضارية والاستراتيجية البالغة والتي
قد لا يحسن البعض تصورها اوتقديرها حق قدرها، يمكن لاي فرد ادراك
بعض اهمية التراث على المستوى الشخصي بمجرد استحضاره في ذهنه أن
اللغة التي – على المستوى الفني الجمالي- يستمتع يها كلما استحوذ
عليه جمالها وموسيقاها الشعري اوالنثري اوالغنائي، والتي لولاها-
على المستوى العملي- لتعذر عليه أن يجيد التواصل مع اعز أحبابه
وان يحسن اكتساب العلم ويتفاعل مع المجتمع البشرى حوله بكفاءة - هذه
اللغة هي بعض اقدم تراثنا القديم! ولعل ذلك يكفي لبيان سخف اطلاق
البعض الدعوة الى الاستغناء عن التراث او الانقطاع عنه.
ولما
تمهد عن اهمية التراث ، يشكل المضمون المعرفي و الفكري منه مصدرا
لخطورة محتملة بالغة قد تصبح واقعا مخيفا متى وكلما أ خطأ البعض
الموقف منه. وتفيد الملاحظة أن الخطأ في الموقف من التراث المعرفي
الفكري غالبا ما يكون مصدره إما الجهل باهمية هذا التراث او التقليل
منها وإما المبالغة والافراط في اهميته . وتقليل قوم من اهمية
تراثهم المعرفي الفكري ، سواء لجهل بهذا التراث او تجاهل له لسبب
اواخر ، يصرفهم عن التفكير في معالجة دور تراثهم الثقافي- سواء
الايجابي او السلبي - في العمل التنموي والبناء الحضاري، و يولد
لديهم الشعور بالدونية الفكرية والحضارية، ويضعف قدرتهم على التاصيل
الفكري، و يعزز قابليتهم للاستلاب الفكري . وفي المقابل فان
المبالغة والافراط في تقدير اهمية التراث المعرفي و الفكري على نحو
يفتقر للتمييز الواعي يورث الافتتان بالتراث ويوقع في سحره فيظل
المفتونون مشدودين ابدا الى الماضي الذي يعمي سحر و بريق انجازاته-
الحقيقية والمتخيلة- ابصارهم عن اخفاقاته وسلبياته فيتعزز لديهم
الحنين الى ذلك الماضي وتقديسه وينشغلون به فكريا على نحو يضعف
تفكيرهم في الحاضر ناهيك عن المستقبل ويدفعهم الى مقاومة كل جديد او
قادم يتخيلونه يمس، ولو مسا خفيفا، بماضيهم.
ومع
أن الفئات التي يستقطبها الموقفان المذكوران عادة ما تكون محدودة
الا انها غالبا ما تضم مجموعات او عناصر نشطة ينجم عن نشاطها
ومواقفها المتطرفة تكريس الشقاق والتنازع الاجتماعي بشكل قد يهدد
الوحدة ويخل بالامن و ، في حالات ما، يستدعي او يعطي المبرر للتدخل
الخارجي.
وبالاضافة الى ما يبدو انها الاكثر تضررا من وجود وافرازات الموقفين
المذكورين، تعاني الساحة الفكرية العربية الاسلامية من سلبيات
واشكالات اخرى عدة يمكن تتبع جذور اكثرها الى التراث الفكري العربي
الاسلامي . ومع أن محاولات مقدرة قد بذلت لدراسة التراث الفكري
العربي والاسلامي ما زالت الحاجة ماسة الى مواصلة الجهودلاعادة قراءة
التراث العربي الاسلامي المعرفي والفكري ، من خلال منهج انسب ،
لتصحيح مواقفنا تجاهه وتوظيفه لبلورة فهم افضل، ومن ثم معالجة افضل،
لمشكلاتنا المعاصرة وخاصة الثقافية والفكرية وجعله- التراث- مصدر
تأصيل و الهام و اثراء لا مصدر تازيم وإفقار و، احيانا، كبت لفكرنا
المعاصر .
القراءة السائدة للتراث الفكري العربي:
مرت
فترة في التاريخ العربي المعاصر كان قد ظهر فيها قويا التوجه الداعي
الى التخلي تماما عن التراث العربي الاسلامي والانقطاع عنه كشرط
مسبق للتقدم والتحضر . ومع مرور الزمن و تعمق الوعي انحسر هذا التوجه
مفسحا المجال لتنامي اتجاهين بارزين يجمع بينهما الاقرار باهمية
التراث العربي الاسلامي في الفعل او البناء الحضاري و لكن من زوايا
ولاهداف مختلفة. وهذان الاتجاهان هما اتجاه تجنيد التراث واتجاه
تمكين التراث :
تجنيد
التراث :
ينطلق
هذا الاتجاه في اهتمامه بالتراث من ادراكه بامكانية واهمية تجنيد
او توظيف التراث إما لدعم ، واحيانا توطين، ميول ايديولوجية او
مذاهب فكرية معينة بعضها محلية وبعضها نِشأت خارج البيئة العربية
الاسلامية، كالفكر الماركسي او الليبرالي العلماني والفكر القومي، و
إما لخلق او تسويق تصورات او انطباعات معينة عن العرب والمسلمين
وتراثهم لدى الاخر وذلك كما تحاول بعض الدراسات الاستشراقية.
ويتوسل هذا التوجه الى هدفه/ اهدافه بانتقاء مواقف او جوانب او
توجهات اوشخصيات او حركات معينة من التراث العربي الاسلامي يتم
استعراضها و تسليط الاضواء عليها لبناء الافتراضات وابراز او تضخيم
الحقائق او تلفيق الظواهر الداعمة للهدف المعني.
و
يضم هذا الاتجاه تيارات متباينة من اهم ما يجمع بينها أن مثلها
الفكرية وقيمها العليا لا تتطابق تماما مع المثل والقيم العليا
للتراث العربي الاسلامي وان كانت بعضها ترى أن هذا التراث ينطوي
على توجهات اولية او صور بدائية لبعض تطلعاتها وقيمها. ويوضح ذلك
أن ما تعزوه تيارات هذا الاتحاه من اهمية للتراث لا تعدو أن تكون
مجرد اهمية اداتية .
تمكين
التراث:
يهدف
هذا الاتجاه عموما الى التمكين للمضمون الديني (الاسلامي غالبا) من
التراث العربي الاسلامي على الواقع العربي المعاصر. وبينما تصطف
سائر تيارات هذا الاتجاه خلف شعار تمكين الدين يجمع بين تصوراتها
ومفاهيمها للدين انها تكاد تتماثل او تتطابق، لدرجة او اخرى، مع
صورة التدين التي سادت في التاريخ العربي الاسلامي وتحديدا في فترة
النبوة وكل او بعض ما يعرف بالعهد الراشدي و – خاصة على المستوى
المعرفي والفكري- ما يعرف بعهد التدوين . وحيث أن هذه الصورة ليس هو
، تحقيقا، الدين ذاته وانما هي احدى الصور التاريخية / التراثية من
صور تنزلاته المحتملة يغدو واضحا أن مفهوم هذه التيارات لما ترفعه
من شعار تمكين الدين يحيلها في الواقع الى تيارات تسعى لتمكين
التراث الاسلامي واستعادته حاكما للواقع والفكر العربي المعاصر . و
لا يغير من هذا ما تفيده تصورات بعض تيارات هذا الاتجاه من
استعدادها لتجاوز بعض جوانب التراث الاسلامي المعتمد لديها اذ أن
تلك الجوانب غالبا ما تكون جزئيات ثانوية لا تنفي عن الصورة الكلية
تراثيتها خاصة وان هذه التيارات يتملكها التردد كلما اضطرت للنظر
في حكم جديد او تجديد اساسي لا تجد له قولا يدعمه او يستأنس به له
من التراث المعتمد لديها .
وغني
عن القول أن بعض محاولات قراءة التراث الفكري العربي الاسلامي لا
يستوعبها او ينطبق عليها التقسيم الثنائي المذكور انفا .
ويفيد
التأمل أن الاتجاهين المذكورين تجمع بينهما سمات مشتركة منها:
الاغتراب عن الواقع:
فتيارات
اتجاه تجنيد التراث تجنح في الغالب الى استعارة افكار ونظريات
اجتماعية معاصرة نشأت اصلا في غير البيئة العربية الاسلامية
لتطبيقها في الواقع العربي اليوم من غير كثير اعتبار لما بينها وبين
الواقع العربي الاسلامي الموروث من تنافر يجعل امر تطبيقها او
فرضها عالي التكلفة و محقق الفشل تقريبا طالما تعذر ايجاد المعالجة
الناجعة للتنافر المذكور.
وفي
المقابل تميل تيارات اتجاه تمكين التراث الى استعادة اوضاع وافكار
ماضوية الى الواقع العربي القائم دون كثير اعتبار لكونها تتقاطع
كثيرا مع مستجدات واقع اليوم مما يجعل محاولة استعادتها امرا عالي
التكلفة و محقق الفشل ولو بعد طول مدة .
الافتقار
للتمييز الكافي بين الإلهي والبشري في الموروث:
يتكون
الموروث العربي من عنصرين اساسيين متباينين هما العنصر الإلهي
والعنصر البشري. ويشمل العنصر البشري كل ما كان من نتاج البشر من
فكر وعادات ومنتجات مادية تضمنها التراث العربي بينما يشمل العنصر
الالهي كل ما ثبت أن الله قد اوحى به مما دان به العرب يوما واصبح
جزءا من تكوينهم العقلي والفكري والاعتقادي والعاطفي . والاصل في
العنصر البشري التغير تبعا لمصدره المتغير دوما اي العقل البشري ،
بينما الاصل في العنصر الالهي الثبات و الدوام الا ما قضي بنسخه او
تغييره مصدره الدائم ، الله جل جلاله، اما مباشرة ( وحيا) واما
توسطا ( ارشاد العقل البشري).
والواضح
أن اتجاه تجنيد التراث لا يأبه كثيرا بالتمييز بين عنصري الموروث
العربي بل أن بعض تياراته تنكر اساسا وجود عنصر غير بشري في
الموروث العربي . أما اتجاه تمكين التراث فانه وان كان يؤمن نظريا
بوجوب التمييز الا انه عمليا يختلط عليه الامر و يتهيب بل و يقاوم
التمييز عندما يتعلق هذا بالموروث البشري الديني المتوارث عن العهد
النبوي اوالراشدي.. وهو ما يبدو معه هذا الاتجاه وكأنه ينكر عمليا
وجود العنصر البشري بينما ينكر اتجاه التجنيد، او بعضه، العنصر
الالهي.
النزعة الاقصائية :
يميل
بل ويسعى حثيثا و، احيانا، بالقوة كل من الاتجاهين الى اقصاء الاخر
والقضاء عليه . وقد تورطت قوى الاتجاهين في صراعات عنيفة و احيانا
مسلحة ضد بعضهما البعض مما كلفها وكلف الامة العربية معها الكثير مما
كان يمكن أن يستغل في التمية و البناء الحضاري من الموارد البشرية
والمادية والوقت الضائع . و قد يبدو ذلك مفهوما جزئيا في اطار ماهو
معلوم من أن الاتجاهين وان كانا يشتركان في بعض السمات التي تجمع
بينهما الا انهما متباينين تماما من حيث موقفيهما العمليين من التراث
العربي الاسلامي، بيد انه ما كان يتعين أن يكون التباين او حتى
التناقض الفكري سببا للنزاع والصراع بل كان الاولى أن يكون
التباين مدعاة للحوار ومستلزما له طالما أن من المسلم به عند اصحاب
الفكر أن القضايا والاحكام الفكرية هي عادة احكام نسبية كنسبية
مصدرها: العقل البشري . على انه يبدو أن العقل العربي مازال عاجزا عن
التمييز بين ماهو نسبي وما هو مطلق، وهو ما يؤكد أن هذا العقل ما
زال اسير بعض تراثه السلبي والذي لم يتحرر منه بعد حتى الكثير ممن
يرفضون هذا التراث جملة وتفصيلا بدليل سلوكياتهم الاقصائية التي لا
يبررها فكريا غير ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة وهو بعض ما لازم
تراثنا .
القصور عن احداث التغيير الحضاري المنشود :
إن
الهدف الاساسي من الاهتمام بالتراث وقراءته هو استنطاقه وسبر غوره
للوقوف على ما يمكن أن يقدمه للانسان في سعيه المتواصل للمعرفة
ولاستنهاض وتعبئة مختلف قواه و موارده في سبيل البناء الحضاري. ومن
الواضح من هذا المنظور ان الاتجاهين المذكورين لم يقدما حتى الان
نجاحا يذكر في المساهمة في اطلاق او احداث التغيير الحضاري الذي
يتمناه العرب منذ حين رغم انهما تواجدا في الساحة العربية كاتجاهين
رئيسيين منذ ما يربوا على نصف قرن من الزمان وهو لاشك زمن كبير
بمقياس العصر . وبدون أن يعني ذلك التقليل من اهمية العوامل الاخرى،
يصح القول أن الفشل في تحقيق التغيير او البناء الحضاري مرده اساسا
هو الفشل في احداث ما يلزم لذلك من تغيير الذات وهو ما يعود بدوره
الى الفشل في بلورة او طرح الفكر الكفيل باعادة بناء العقل العربي
الذي يفترض فيه- بعد اعادة بنائه- أن يشكل الدافع الذاتي الذي لا
يمكن بدونه احداث أي تغيير ايجابي في الذات العربية المسلمة. بيد أن
هذا الفكر الكفيل باعادة بناء العقل العربي لا يمكن بلورته او
الوصول اليه بدون امتلاك الرؤية او القراءة السليمة للتراث الفكري
العربي الاسلامي وذلك لسبب واحد وبسيط هو أن هذا التراث يعد
المكون الاساسي للعقل العربي الاسلامي. ونحسب أن غياب هذا الفكر
المطلوب اليوم يعود اساسا الى غياب الرؤية او القراءة السليمة
للتراث الفكري العربي الاسلامي . وهو ما يستدعي تواصل جهود
اومحاولات اعادة قراءة هذا التراث.
إعادة
قراءة التراث الفكري العربي:
اولا-
المفهوم والمهام
المعني باعادة قراءة التراث الفكري العربي هنا هو محاولة بلورة فهم
وتفسير سليمين للتراث الفكري العربي الاسلامي في ضوء التقييم
السليم للقراءة السائدة باتجاهيها الذين تم استعراضهما انفا
وبالاستفادة ايضا من محاولات او مشاريع القراءة التي ظهرت خارج
الاتجاهين المشار اليهما وذلك بغية تبين ما يمكن ، و كيف يمكن،
الاستفادة منه من هذا التراث في اعادة بناء العقل العربي وصولا الى
استعادة او تفعيل دوره في البناء الحضاري . و يتطلب ذلك في تقديرنا
أن تفي هذه القراءة المنشودة على الاقل بمهام ثلاثة هي:
-
تقديم تفسير لما جرى للفكر العربي من تكون وانتهاض وازدهار ثم تراجع
وخمول ثم تعثر في محاولاته للانتهاض من جديد وتحديد العوامل
الفكرية التي اقترنت يهذا المسار و منعطفاته الاساسية.
-
استخلاص و تقويم مناهج التفكير العربي التي تضمنها التراث الفكري
العربي الاسلامي بقصد تطوير و بلورة منهاج فكري عربي معاصر قويم
بالاستفادة من مناهج التفكير المعاصرة او الحديثة
-
تحليل مضامين الموروث العربي الاسلامي في ضوء ما تتم بلورته من منهاج
فكري لمعرفة ما يصلح استصحابه والبناء عليه و ما يتعين تجاوزه
وتركه من التراث .
ثانيا
- السمات و المتطلبات :
لكي
تحقق الهدف المرجو منها و تفي بالمهام المذكورة انفا ، لا بد
للقراءة ، او اعادة القراءة، أن تتوافر على سمات معينة وتتوافر لها
متطلبات اساسية. ويحتاج التحديد الدقيق والشامل لهذه السمات
والمتطلبات الى مزيد من الجهود الفردية والجماعية .
السمات:
في
ضوء ما تمهد عن اتجاهي القراءة السائدين يمكن الاشارة هنا الى سمتين
اساسيتين تمس الحاجة اليهما وهما الشمولية والتعددية المنهجية:
الشمولية :
المعني
بالشمولية هنا هو ضرورة اسستيعاب القراءة لكل جوانب التراث الفكري
العربي . وليس المقصود بذلك، كما قد يتبادر الى اذهان البعض، هو فقط
استيعاب مختلف تيارات التراث الفكري العربي اذ أن ذلك ، على اهميته ،
لا يشكل سوى جانب واحد من جوانب التراث العديدة والتي تتعلق اما
بالبعد الظرفي او البيئي للتراث واما بالبعد المضموني له . و لا
تكتمل الشمولية للقراءة حتي تستوعب هذين البعدين بجوانبهما المختلفة:
البعد
البيئي او الظرفي للتراث الفكري العربي:
اذا ما سلمنا أن الفكر البشري لا ينفك ابدا يتأثر بالواقع
الذي يحيط به ويؤثر فيه كما قد يتأثر به، يغدو من المسلم به ايضا أن
حسن فهم وتقدير التراث الفكري العربي- باعتباره بعض الفكر البشري -
يتطلب دراسة الظروف التي اقترنت بتاريخه منذ النشأة ومرورا بالتطور
والازدهار و انتهاء بالخمول و محاولات الانتهاض . .
و يتطلب الوقوف على واقع و ظروف ماضي الفكر العربي المعاصر
تحديد بداية هذا الماضي اي بداية تكون وتشكل الفكر العربي الذي يمثل
الفكر العربي المعاصر امتدادا ، ولو مختلفا قليلا او كثيرا، له وذلك
لكي تتسنى متابعة الظروف التي صاحبت الفكر العربي المعاصر منذ
بداياته الاولى . وتحديد البدايات امر مشكل عموما و خاصة في الظواهر
غير المادبة .
وقد
يحاول البعض تلمس بدايات الفكر في المنطقة في عصور تمتد الى ما قبل
ظهور الاسلام .. و من المؤكد أن للتراث الفكري في المنطقة العربية
جذورا بعيدة وعميقة تمتد الى عصور ما قبل الميلاد حيث تحفظ لنا
المصادر التاريخية بعض ، مثلا، الفكر القانوني للبابليين والفكر
الفلسفي الفينيقي والهرمسي كما تحفظ لنا المراجع الدينية سواء
الاسلامية او المسيحية او اليهودية بعض معالم الفكر خاصة الديني
واللاهوتي الذي ساد في المنطقة لفترات ما، وبالمثل يحفظ لنا الشعر
العربي الموسوم بالجاهلي والأمثال الشعبية العربية لذات الفترة بعض
الفكر الذي يعكس قدرا من معالم الذهنية العربية في ما قبيل وعند
ظهور الإسلام. و من المقدر أن مجمل او بعض ذلك ، بالاضافة الى
المعارف المجاورة و خاصة الفارسية والهندية واليونانية التي وردت الى
المنطقة لاحقا, شكلت روافد متعددة متباينة الاهمية ساهمت في تشكيل
فهم و استيعاب العقل العربي لما اصبح لاحقا مكونه الاساسي، اي
الاسلام، ومضامينه الفكرية.
واختار البعض التأريخ لماضي الفكر العربي المعاصر ببداية ظهور و
انتعاش النتاج الفكري العربي الاسلامي في ما بعد ظهور الاسلام
وخاصة الفترة الممتدة ما بين القرن الثاني والرابع الهجري. ولعل من
مبررات ذلك- أولا- أن تراث تلك الفترة يمارس حضورا ملحوظا بل فاعلا
في الفكر العربي الحالي ربما لعلاقته الوثيقة بالاسلام والذي
نحسب انه ما انفك يشكل الموضوع الاول للفكر العربي و، بالتالي،
المحور الاساسي للخطاب العربي، و- ثانيا- لانه حظي بقدر اكبر من
التسجيل الكتابي اكثر مما حظي به أي تراث فكري عربي اسبق زمانا .
على أن من الواضح أن هذا الاختيار يلاحظ بداية العطاء المميز للعقل
او الفكر العربي اكثر من ملاحظته بداية تكون العقل العربي الاسلامي
مع بداية قبوله وانفعاله بالمضمون المعرفي و الفكري لرسالة الوحي
الرباني الاخيرة ( الاسلام)
و منذ
بدايته المشار اليها توا تعرض التراث الفكري العربي، عبر مراحله
المختلفة، لجملة من الاشكالات والصعوبات بل والمحن التي طالت مختلف
جوانبه و كان لها ، الى جانب المؤثرات والظروف الاخرى ، اثرها في
تشكيل مضامينه وتحديد توجهاته.
ففي جانب/مرحلة التنظير والعطاء، واجه الفكر العربي بعض
القيود على ما تميز به من حرية نسبية اوسع في مجال التفكير والتعبير.
وتمثلت بعض تلك القيود في ما كان يتعرض له بعض اصحاب الاراء
والافكار المغايرة من اعتداء جسدي او مادي ، مثل قطع اللسان، تارة
على ايدي الحكام وتارة على ايدي الدهماء . ومن المؤسف أن بعض ذلك كان
يتم بتحريض من بعض العلماء والمفكرين كما يؤكد ذلك ، مثلا، ما يروى
عن لجوء بعض "المعتزلة" لتحريض الحكام على مخالفيهم من "اهل الحديث"
ورد بعض هؤلاء الاخيرين عليهم لاحقا باسلوب مشابه.
وقد رافق الاعتداء المادي والذي كان يصل احيانا حد اعلان حرب
ابادة على بعض الفرق والاتجاهات الفكرية والدينية المخالفة، ارهاب
نفسي/ فكري ربما كان اسوأ اساليبه لجوء البعض الى تاويل النصوص
الشرعية بل واختلاقها او تشجيع اختلاقها احيانا لمحاربة توجهات
فكرية مخالفة، و كذا اطلاق اشاعات مغرضة ترمي اصحاب الافكار
المخالفة بارتكاب او استحلال سلوكيات تتنافي مع ما هو محل اتفاق
المسلمين من تعاليم الاسلام استدعاء لغضب المسلمين عليهم و تمهيدا
لتوجيه اتهامات إرهابية كالزندقة والارتداد والخروج عن الملة.
وفي المقابل كان يتم دعم الافكار والتوجهات المرغوبة من
خلال توظيف اصحابها في الوظائف الحكومية والسماح لها بالافادة من
المرافق العامة ، كالمساجد، و بناء مدارس لها ووقف الاوقاف لها. وفي
حالات معينة وصل الامر ببعض الحكام حد التفكير في، او محاولة، فرض
افكار وتوجهات معينة على جمهور المسلمين وعلمائهم.
وفي جانب/مرحلة التدوين او التسجيل الكتابي للنتاج الفكري
العربي يلاحظ أن التدوين لم يكن في الماضي امرا متيسرا وربما لم
يكن ايضا امرا يحرص عليه كثيرا اصحاب الفكر نظرا لشيوع الامية وقلة
من يعرفون القراءة . ولذلك كانت الافكار تظهر و تنتشر و تتداول
شفاها و لا يتم تدوينها الا في وقت لاحق . وهكذا نجد انه بينما جل
الافكار الاسلامية وخاصة السياسية والاعتقادية ظهرت خلال القرون
الهجرية الثلاثة الاولي فان اشهر اقدم المراجع التي تناولت عرض تلك
الافكار والجماعات التي نشات على اساسها( فرق البغدادي، وملل
الشهرستاني، و نحل ابن حزم) لم تكتب الا في القرنين الخامس والسادس
الهجريين أي بعد ما يربو على قرن كامل على الاقل. ولا يستثنى من ذلك
الا القليل من مثل الفكر الاشعري الذي ولد مكتوبا في القرن الثالث-
الرابع الهجري . وبالمثل فان اقدم اشهر المصنفات التي تناولت السير
والسلوكيات المنسوبة لاصحاب وجماعات تلك الافكار لم تكتب قبل القرن
الثالث ( تاريخ الطبري واليعقوبي) ، وظهرت اغلب اقدم المراجع
التاريخية المتداولة ( بداية ابن كثير، وكامل ابن الاثير، و تاريخ
ابن خلدون) في القرنين السابع والثامن الهجريين أي بعد عدة قرون من
فترة بداية ظهور الجماعات الفكرية. وبالطبع ربما صنفت مصنفات اخرى
اقدم واسبق زمانا مما ذكر الا انها غير معروفة او متداولة اليوم
وربما انقرضت و لم تعد موجودة اصلا
و في
جانب/ مرحلة الحفظ ايضا لم يسلم الفكر العربي من انتهاك حرمته حيث
امتدت محاربة الفكر غير المرغوب او المغضوب على اهله من الاعتداء
والتضييق على بعض اشخاصه من العلماء والمفكرين الى القضاء على
نتاجهم الفكري من خلال حظر تداول مصنفاتهم ومصادرتها واحيانا
حرقها . ومع أن ابادة او حرق الكتب كان يتم احيانا بعد اجراء
محاكمات لاصحابها وادانتهم الا أن الحكم بالادانة كان كثيرا ما
يخضع لتدخلات السلطة وتوجساتها، و المعتقدات الشخصية و المذهبية
للقاضي، و المكايدات بين الفرق، و ضغوط العامة الامر الذي كان يؤدي
الى ادانة كتاب وكتب لا توجد مبررات كافية لادانتهم و،أحيانا، رغما
عن معارضة بعض كبار العلماء. وتورد بعض الروايات التاريخية مآسي
اتلاف بعض مكتبات العالم الاسلامي الضخمة اما حرقا واما القاء في
الانهر والصحارى سواء من قبل بعض الحكام والقواد المسلمين (
مكتبات الفاطميين في مصر) او من قبل الغزاة ( اتلاف هولاكو لمكتبة
بغداد واتلاف الصليبيين لمكتبات الشام ) ، ومعلوم ما فعله الاسبان
بالمكتبات الاسلامية في الاندلس على اثر انتهاء الحكم الاسلامي في
اواخر القرن الخامس عشر الميلادي. ومع أن محاولات الصاق تهمة ابادة
بعض اقدم المكتبات الشهيرة في المنطقة ، كمكتبة الاسكندرية المصرية
ومكتبة جنديسابور الايرانية ، بالفاتحين المسلمين تفتقر للادلة الا
أن من المعلوم أن الحكم الفقهي الذي كان سائدا في الماضي كان يقضي
بابادة الكتب المغنومة من الحربيين باستثناء الكتب المفيدة مهنيا
ككتب الطب كما كان يقضي بمنع التداول العلني لكتب الذميين الدينية
و الفكرية.
وبالاضافة الى النهب الى خارج العالم الاسلامي تعرضت مخطوطات الفكر
العربي الاسلامي الى التلف نتيجة عوامل البلى الطبيعية وخاصة في ظل
بدائية طرق الحفظ وبقاء الكثير من المخطوطات في ايدي الافراد أي خارج
المكتبات العامة.
وفي
جانب/ مرحلة النشر كذلك تعرض التراث الفكري العربي لبعض الصعوبات
والاشكالات التي تؤثر حتما في حجم و مضمون ما يصل منه للقارئ او
الدارس . ففي ظل صعوبة الوصول الى دور المخطوطات اصبح النسخ في
الماضي، و التصوير و الطباعة حاليا، و التحميل على شبكة المعلومات
الدولية ( الانترنت) مؤخرا يمثل اهم طرق نشر التراث الفكري العربي
ووصوله لذوي الاهتمام . على أن كل ما تم نشره حتى الان لا يمثل سوى
نسبة ضئيلة جدا من مجمل مخطوطات التراث الفكري العربي . ولان
اختيار ما تم تحقيقه ونشره من التراث لم يكن تحكمه دائما خطة شاملة
مبنية على قواعد موضوعية واسس علمية بقدر ما كان يخضع للميول
المذهبية والفكرية، واحيانا الالتزامات او الاولويات الجهوية او
القطرية، والاعتبارات المادية للناشرين والمحققين العرب والمسلمين،
و الانطباعات الشخصية والاجندة الخاصة لغيرهم، كالمستشرقين، لم يكن
ليسلم مضمون ما تم نشره من سلبيات الانتقائية غير الرشيدة ومساوئ
القيود والاعتبارات المادية.
تلك
بعض الظروف السلبية التي احاطت بالتراث الفكري العربي والاسلامي في
مختلف مراحله وهي ترجح او تؤكد على امور عدة تتعين مراعاتها عند
محاولة قراءة هذا التراث ، ومن تلك الامور:
-
الضغوط التي كان يتعرض لها الفكر العربي الاسلامي ، سواء من الحكام
او العامة ومن كانوا يحرضونهم من العلماء او المنسوبين اليهم، يجعل
من غير المستبعد حدوث بعض الانفصام في الفكر العربي الاسلامي ما بين
مستويي التفكير والتعبير أي أن اصحاب الفكر ربما لم يكونوا دائما
يعبرون بصراحة و دقة عن حقيقة فكرهم اول كل فكرهم اتقاء لعواقب ذلك
وربما ، احيانا، طمعا في مردود الكتمان ومغريات مجاراة الفكر السائد
او الغالب. ويبدوا أن بعض ما شاع في التاريخ العربي الاسلامي من
ظواهر من مثل عقيدة التقية ووجوب التقليد لم تكن تقتصر فقط على
المواقف العملية والفقهية وانما كانت تمتد ايضا الى الخطاب الفكري
بدليل بعض الشواهد من مثل ظهور المصنفات الفكرية مجهولة المؤلف (
اخوان الصفا )، و – إن صح التعبير- " نبونة " الافكار أي التعبير
غير المباشر عن الافكار سواء الاجتماعية او المذهبية او السياسية من
خلال اختلاق نصوص نبوية، وشيوع ادب التعبير الرمزي الخلقي
والسياسي، و ابتداع ما يمكن تسميته ب "كلمنة السياسة" أعني التعبير
غير المباشر عن الافكار والمواقف السياسية من خلال مقولات ومطارحات
علم الكلام . وليس من المستبعد أن تكون ما كان شائعا من مقولات من
مثل " مخاطبة الناس حسب عقولهم" قد دفعت البعض من اصحاب العلم و
الفكر الى الامتناع عن التعبير عن بعض افكارهم . واذا ما تأكدت
مقولة الانفصام وتبين انتشاره ترجح لزوم اعادة النظر في التراث
الفكري العربي الاسلامي سواء من حيث مفهومه ، او بلورة مناهج دراسته،
او تحديد مصادره حيث سيتعين مثلا اعتبار مجلدات الاحاديث الموضوعة
مصدرا من مصادر التراث الفكري العربي
- جل
اقدم مراجع التراث الفكري العربي والاسلامي الاكثر شهرة وتداولا
الآن كتبت – اولا- بعد فترة ليست قصيرة من عهد ظهور وانتشار ،
وربما اندثار بعض، تلك الافكار واصحابها والجماعات التي تبنتها و –
ثانيا- لم تكتب من قبل اصحاب او اتباع الفكر المعني وجماعته
وانما من قبل اخرين غالبا ما كان لهم انتماؤهم الفكري والجماعي
المخالف لما سواه . وقد كتبوا ما كتبوا اعتمادا اما على مراجع مكتوبة
اشار اليها بعضهم ( الشهرستاني مثلا) و لكن لم يعنوا كثيرا بذكرها و
توثيقها وبالتالي فهي غير معروفة وربما لم تعد موجودة، و اما على
رواة ليس في الوسع اعتماد كل ما رووه خاصة و انه لم يتم دائما
التحقق منهم وفقا لشروط معروفة، من مثل شروط الجرح والتعديل، كما
تثور شبهات قوية حول موثوقية و مصداقية بعضهم(بعض رواة الطبري مثلا)
، ولعله ليس من الشك غير المبرر القول بانه اذا ما ثبت أن اولئك
الرواة لم يكونوا يتورعون على الوضع على لسان الرسول صلى الله عليه
وسلم ، ليس من غير المرجح أن يكونوا قد نسبوا الى تلك الافكار
والجماعات ، او بعضها، أيضا ما ليس منها خاصة وانه كانت توجد دوافع
وحوافز عديدة ليس اقلها ما تشير اليه الروايات من تشجيع بعض ذوي
السلطة والمال الرواة على تشويه بعض تلك الافكار والجماعات .
-
ضياع جزء ليس بالصغير من التراث الفكري العربي والاسلامي سواء بسبب
عدم تدوينه اصلا او بسبب تعمد اتلافه بعد تدوبنه على نحو ما سبقت
الاشارة الى بعض طرقه، وبقاء الجزء الاكبر من ما تبقى من مخطوطات
هذا التراث دون نشر، وخضوع ما نشر من هذه المخطوطات للانتقائية غير
الرشيدة والمغرضة احيانا يجعل من غير المبرر علميا القول بان ما هو
متاح فعلا- اعني ما نشر - وربما كل ما تبقى من التراث الفكري
العربي الاسلامي يعكس بدقة ماضي الفكر العربي الاسلامي مضمونا
وحجما. اذ ليس في الوسع القطع بان كل او بعض الافكار التي ضاعت
لضياع مصادرها المدونة او لأنها لم تدون اصلا لم تكن افكارا مختلفة
تماما عن الافكار التي يتضمنها التراث المحفوظ وربما كانت من احسن
ما أبدعه العقل العربي في ماضيه الا انها لم تقدر حق قدرها من قبل
المجتمعات التي ظهرت فيها . و اذا كان من الشائع الصحيح أن ما
ترجمه المستشرقون ومن سار على نهجهم يمثل صورة انموذجية لعدم
صلاحية ما نشر (مترجما) لاعطاء تصور دقيق للتراث العربي الاسلامي
فان ذلك يصدق ايضا وان بدرجة اقل على مجمل ما تم نشره من التراث
العربي .
البعد
المضموني للتراث الفكري العربي:
يتطلب
الوفاء بسمة الشمولية على مستوى مضمون التراث الحرص على أن تستوعب
القراءة مختلف جوانب مضمون التراث الفكري فلا تقتصر القراءة على ،
مثلا، نوع ( الاسلامي) دون نوع ( المسيحي او الارتدادي)، اونسق (
الفقهي او الصوفي او الفلسفي او العلمي) دو نسق ( الترفيهي او
الخرافي) ، او مستوى ( النخبوي) دون مستوى ( الشعبي) ، او الواسع
الانتشار( السني) دون المحدود الانتشار( الاباضي) او .....الخ
وتعود
اهمية الشمولية ولزومها سواء على مستوى البعد الظرفي او البيئي او
البعد المضموني الى أن الحياد عنها او اهمالها يوقع القراءة في
مثالب الانتقائية وغالبا ما يغري بتعميم استنتاجات جزئية .
التعددية المنهجية :
أن
كنا في ماسبق ركزنا على تاثر الفكر بالواقع او البيئة الامر الذي
استلزم دراسة الواقع او البيئة لحسن فهم ذلك الفكر، لابد من الاشارة
هنا ايضا الى أن فهم الانسان للواقع ، سواء كان واقعا ماديا او
معرفيا كالتراث او الفكر، ايضا ليس امرا مجردا تماما بل هو يتأثر
بالرؤية الكلية للانسان او منهاجه المعرفي . ويقترب هذا الفهم من
الصحة او الخطأ بقدر اقتراب منهاج الشخص من الصحة او الخطأ . ومعلوم
أن اختلاف منهاج البحث كثيرا ما يؤدى الى اختلاف ما في نتائج
الدراسة. ومن هنا تأتي اهمية اختيار او تحديد المنهج في قراءة
التراث الفكري العربي . على انه وبالرغم من اهمية وخطورة دوره ما
زال المنهج واختياره امرا مشكلا وخاصة في الدراسات الاجتماعية
والانسانية و منها دراسات التراث ولعل السبب الاساسي و راء ذلك هو
انه لم تتم بعد بلورة مناهج بحث رصينة حيث لا يكاد أي منهج بحث
معين يخلو من ثغرات او مواضع قصور علمي. واذا كان من الخطأ البين
محاولة البحث او الدراسة بدون منهج بحجة اشكالات المنهج يبقى الخيار
الافضل هو الجمع بين اكثر من منهج و ، من ثم ، اعتماد التعددية
المنهجية – رغم ما تثيره ايضا من اشكالات- في دراسة او قراءة التراث.
ولابد من الاستعانة في ذلك بمختلف العلوم الحديثة و مناهجها ذات
الصلة .
ويثير
الموروث العربي الاسلامي اشكالا منهجيا خاصا لكونه ، كما سبقت
الاشارة ، يتكون من عنصرين احدهما بشري المصدر والاخر رباني المصدر
ولعل ليس كل منهج يصلح لدراسة احدهما يصلح لدراسة الاخر ايضا. ولذلك
فانه بالرغم من ضرورة و ربما حتمية الاستفادة من مناهج البحث
والدراسة الغربية الاكثر تطورا ينبغي الاخذ في الاعتبار كون تلك
المناهج عادة ما تتاسس على اساس بشرية التراث كله وهو ما إن صدق
على التراث الغربي لا يصدق – على الاقل في نظر الكثيرين - على
الموروث العربي الاسلامي.
المتطلبات:
لعل
من اهم ما ينتهي اليه المرء من الوقوف على الظروف التي رافقت او
تعرض لها التراث العربي الاسلامي في مختلف مراحله، وما تقدم عن سمة
الشمولية أن محاولة اعادة قراءة التراث على النحو المنشود تتطلب
توافر امور هي بمثابة متطلبات مسبقة لسلامة القراءة ، ومن هذه
الامور :
-
اعادة جمع وتوثيق الموروث والاجتهاد في اكمال جوانب القصور في ذلك
والعمل على تخليص الموروث ، بالاستفادة مما اتاحه التقدم العلمي
والتقني، مما سبقت او لم تسبق الاشارة اليه من تشويش او تشويه مقصود
او غير مقصود و سواء بالذم والتقبيح او المدح والتزويق
-
تنشيط حركة تحقيق و طباعة ونشر- ورقيا واليكترونيا - الموروث حتى
يصبح جل إن لم يكن كل الموروث متاحا للدراسة و اعادة القراءة .
-
تشجيع المؤسسات المعنية بالفكر وتطوير المقررات والتخصصات
الدراسية ذات الصلة بدراسات التراث بقصد تشجيع واعداد الدارسين و
تزويدهم بالمناهج العلمية والمؤهلات الاكاديمية المطلوبة لدراسة
التراث الفكري العربي.