الحضارات البشرية فعل أو صنع بشرى يعكس صفات صانعيها من البشر. فهي ،
كالبشر، تتألف من عنصرين أساسيين : العنصر المادي والعنصر المعنوي .
وهى – كالبشر- تولد وتفنى، وتزدهر وتضمحل. وعموما، تتشكل وتتحدد صفات
وتوجهات الحضارات في إطار المرجعية الحضارية التي توجه سلوك فئاتها
الفاعلة. وكيفما كان حظ مرجعية حضارة ما من التوازن والاختلال،
والبدائية والتطور، والمادية والروحية ، والاستقامة والانحراف،
والعدائية والودية فانه ينعكس ، و بتناسب ملحوظ ،على تلك الحضارة.
التفاعل بين الحضارات
إذا كانت الحضارات صنعا بشريا فان من الطبيعي القول آن
التفاعل بين الحضارات هو أيضا من صنع البشر وانه يصدق عليه، في اكثر
الأحيان، ما يصدق على التفاعل البشري عموما. ولذلك فانه، وبعيدا عن
مقولات حتمية الصراع وأمنيات إلغاء الصراع أو انتهائه بين الحضارات،
ظل التفاعل بين الحضارات يتراوح بين الصراع والحوار، و السلم
والحرب ، والتعاون والتنازع ، والاسترخاء والتوتر تما ما كما هو شأن
التفاعل بين أفراد البشر وكذا بين الكيانات البشرية الجماعية الأخرى
كالأسرة والدولة.
وسواء كان التفاعل المباشر
بينها ودية أم عدائية، فان الحضارات تبقى تتبادل المنافع، وترث
اللاحقات منها عن سابقاتها ما تبنى عليها بعض عطاءاتها وإنجازاتها.
وصحيح أن قدر ونوع الانتفاع ومجالاته تتحكم فيه عوامل عدة ، بيد انه
يظل هناك دائما قدر غير قليل من الانتفاع تدين به كل حضارة لما سواها
من الحضارات. وبقدر نمو هذا الانتفاع المشترك ينمو التراكم الحضاري
الذي يشكل إرثا إنسانيا مشتركا.
وبناء على عوامل عدة يتحدد
نوع التفاعل كما تتحدد الوسائل والسبل التي تسلكها الحضارات للتفاعل
مع بعضها. فالتفاعل الصراعي يتوسل بالوسائل والأساليب الصراعية
كالغزو و الاحتلال والحصار والهيمنة بينما يتوسل التفاعل الحواري
بالوسائل و الأساليب الودية كالمفاوضات وتبادل المعرفة التقنية
وتوسيع حريات الانتقال وحل الخلافات بالطرق السلمية.
الحو ا ر وأنواعه
باعتباره أحد خياري التفاعل
البشرى يمثل الحوار أحد خياري التفاعل الحضاري أيضا .
وبناء على الوسيلة المتبعة يمكن
التمييز بين بعدين للخيار أو النهج الحواري هما البعد الخطابي والبعد
الفعلي ، وبمكن النظر إليهما كنوعين متداخلين من الحوار هما:
الحوار الخطابي (اللغوي ) : وهو الحوار
الذي يتم باستخدام اللغة سواء كانت لغة لفظية ( لسانية) أو إشارية
وسواء تم الحوار شفاهة أو كتابة . وهذا النوع من الحوار هو المتبادر
للذهن عند إطلاق كلمة الحوار. وهو يكون إما حوارا عفويا أو عاديا
كالذي يجرى يوميا بين الناس عند مخاطبتهم لبعضهم البعض لأي غرض كان ،
و إما حوارا منظما ومتعمدا يتم داخل اجتماعات أو من خلال تبادل
الكتابات والرسائل.
ويعد الحوار الخطابي أساسا
وسيلة سلمية ويستعمل في الغالب الأعم لغرض ودي ولكنه قد يستخدم
أحيانا لغرض غير ودي الأمر الذي يحوله من وسيلة للتعاون وحل الصراعات
إلى وسيلة لاستمرار الصراع و تكريسه بطرق اقل عنفا.
الحوار الفعلي ( العملي ) : وهو الحوار
الذي يتم من خلال الأفعال والسلوكيات والإنجازات والمواقف التي
تعبر عن نفسها وتنقل للآخر انطباعات أو قناعات، إيجابية أو سلبية،
عن مصدرها. والحوار الفعلي منه ما هو غير مباشر وهو كل فعل أو سلوك
لم يتم أساسا بقصد نقل أو إعطاء انطباع أو فكرة معينة للآخر وان كان
هذا الآخر عادة ما يفهم أو يستقى منه انطباعا أو فكرة ما ، ومنه ما
هو مباشر وهو كل فعل أو سلوك عملي يصحبه قصد التأثير على الآخر ونقل
رسالة معينة إليه .
وحوار الحضارات هو الحوار
الذي يتم بين الحضارات، سواء جرى خطابيا أو عمليا ، إلا أن المعنى به
عند الإطلاق هو غالبا الحوار الخطابي بين أهل الحضارات .
العوامل المؤثرة على التفاعل بين
المجموعات الحضارية:
تتشكل طبيعة ودرجة التفاعل
بين المجموعات الحضارية وفقا لعوامل عدة تتداخل مع بعضها البعض و
يمكن إيجازبعض أهمها، في تقديرنا، كما يلي :
التصور للذات والآخر:
يعد تصور المجموعة
الحضارية لذاتها ولغيرها من المجموعات الحضارية عاملا أساسيا في
توجيه تفاعلها مع المجوعات الأخرى. فتصور مجموعة لأخرى على أنها
صديقة أو عدوة لها يدفعها لتبني تفاعل ودي أو عدائي ، على التوالي،
تجاهها.
والعلاقة بين التصور للذات والتصور
للآخر علاقة وثيقة حيث أن عادة ما يكون التصور للذات أحد محددات
التصور للآخر كما أن التصور للذات يتأثر أيضا بالتصور للآخر . وعلى
سبيل المثال فان التصور المضخم للذات عادة ما يستتبع تصورا يميل إلى
تقزيم الآخر، وان التصور الاستعلائي للذات بناء على ، مثلا، دعوى
التفوق العنصري أو التفضيل الإلهي غالبا ما يميل بصاحبها إلى تبني
تصور دوني للآخر.
والتصور للذات يتشكل في
إطار عوامل عدة منها مضامين التراث الحي للمجموعة وتاريخ المجموعة
ووضعها الحاضر النسبي . إما تصور المجموعة للآخر فيتشكل في إطار
عوامل منها، بالإضافة إلى التصور للذات، المعرفة المتاحة لها عن
الآخر بغض النظر عما إذا كانت معرفة حقيقية أو خرافية ، و الخبرة
العملية القائمة على التفاعل المباشر.
المصالح والمبادئ :
للمصالح كما تدركها
اوتتوهمها المجموعة الحضارية دور في تحديد وجهة وكثافة تفاعلها مع
غيرها . فبينما مراعاة المصالح المشتركة بين المجموعات توجه التفاعل
وجهة إيجابية تعاونية فان طلب المصالح الخاصة فقط و بشكل يضر
بمصالح الغير ينحو بالتفاعل منحى سلبيا صراعيا. وبالمثل من شأن
الالتزام بمبادئ وقواعد معينة أن يوجه التفاعل الحضاري إما وجهة
حوارية تعاونية بما وجهة صراعية وذلك وفقا لطبيعة المبادئ والقواعد
محل الالتزام . والمبادئ قد تتعلق بأهداف أسس التفاعل، مثل مبدأ
الانعزال/ الانفتاح ومبدأ المساواة/ التمييز، كما قد تتعلق بوسائل
التفاعل مثل الموقف من مشروعية بعض الوسائل ، كاستخدام القوة واللجوء
للغدر والخداع، في العلاقات الدولية.
والمصالح والمبادئ تتوافق
و تتناسق مع بعضها تارة وتتناقض و تتعارض تارة أخرى. والغالب في
واقع اليوم هو تقديم المجموعات لمصالحها على مبادئها عند التعارض.
وضع المجموعة:
لوضع المجموعة على متصلات
القوة – الضعف، و التقدم- التخلف ، و الغنى – الفقر اثر في تحديد
غايات ووسائل تفاعلها مع المجموعات الأخرى. فالمجموعة الحضارية
الأقوى تميل دائما إلى الانفراد بقيادة العالم ومقاومة محاولات
اللحاق بالقيادة أو الاشتراك فيها ناهيك عن انتزاعها كما تميل إلى
التوسع ونشر قيمها وثقافتها على مستوى الساحة الدولية تأمينا لوضعها،
وبشعور من قوتها وقدرتها على الانتصار لا تتردد المجموعة الأقوى
كثيرا في اللجوء للوسائل الصراعية والعسكرية إذا لم تجد وسائل الضغط
. وفي المقابل فان المجموعة الحضارية الأضعف تميل إلى التمسك
بثقافتها ومقاومة محاولات الهيمنة والثقافة المصاحبة لها والى
محاولة اكتساب أسباب القوة اللازمة للدفاع عن الذات و ربما طمحت إلى
الوصول إلى وضع المشاركة في القيادة وربما الانفراد بها، و إدراكا
منها لحقيقة وضعها الأضعف وبعد احتمال كسبها للمواجهة العسكرية تميل
المجموعة الأضعف إلى انتهاج التفاعل الحواري و تجنب التفاعل الصراعى.
البيئة الدولية:
تؤثر البيئة الدولية في طبيعة ودرجة
التفاعل بين المجموعات الحضارية باعتبارها البيئة التي يتم فيها
ويتسم بسماتها العامة هذا التفاعل . فالبيئة الدولية التي تتسم
بالفوضى وتفتقر للنظام تتيح فرصة اكبر للتفاعل ا لفوضوي حيث تبقى
المجموعات الحضارية الضعيفة تحت رحمة المجموعة الحضارية الأقوى . وفي
المقابل فان وجود بيئة دولية تمتلك نظاما دوليا محددا يساعد على
تشجيع ودعم التفاعل الحواري والتعاوني بين المجموعات وكلما تطور هذا
النظام إلى مؤسسات دولية مستقلة ذات طابع قانوني وليس سياسي فقط
ساعد في الحد من التفاعل الصراعي بين المجموعات والكيانات الدولية .
كذلك يتأثر التفاعل بين الفاعلين الدوليين – إلى جانب التناظم
والمأسسة الدوليين- بطبيعة القيم والأعراف التي تسود البيئة
الدولية.
العامل ا لجغرافي:
تفيد ملاحظة الواقع وقراءة
التاريخ أن للعامل الجغرافي ، وخاصة البعد المكاني و التضاريس،
علاقة طردية بكثافة التفاعل بين المجموعات الحضارية ما لم يكن هناك
سبب مانع . فكلما قصرت المسافة ولانت أو انبسطت التضاريس بين
مجموعتين زاد التفاعل بينهما والعكس بالعكس صحيح. ولا شك أن للتقدم
التكنولوجي أثره في الحد من الدور التقييدى للعامل الجغرافي إلا
انه لا يلغي اثر العامل الجغرافي على مجمل التفاعل بين المجموعات
الحضارية.
التفاعل بين المجموعة الحضارية
الإسلامية والمجموعة الحضارية الغربية:
أولا- مسار التفاعل :
يعود تاريخ التفاعل ما بين
موطن الحضارة الإسلامية ( الشرق اصطلاحا) وموطن الحضارة الغربية (
الغرب اصطلاحا) إلى ما قبل ظهور الحضارتين الإسلامية والغربية
الرأسمالية.
ولعل أولى محطات التفاعل
المكثف بين إقليمي أ و موطني المجموعتين – قبل ظهورهما- يتمثل ،
وفقا للتاريخ المعروف، في ما شنه الشرق ( الفينيقيون والفرس) من
غزوات استهدفت الأطراف الجنوبية والشرقية للغرب الأوربي وما شنه
الغرب ( اليونان والرومان) من غزوات استهدفت الشرق و أخضعت لسلطته
مناطق مختلفة من الشرق .
ويستفاد من المصادر التاريخية أن من
أهم ما أسفر عنه التفاعل ما بين الإقليمينفي مراحله الاولى انتقال
اللاهوت الكنعاني والفلسفة الهرمسية من الشرق إلى الغرب حيث ساهما
في تكوين اللاهوت والفلسفة الاغريقيين ثم انتقال الديانة اليهودية و
الديانة المسيحية أيضا من الشرق إلى الغرب . ولا تخفى أهمية ومغزى
انتقال هذين العنصرين ،الفلسفي والديني، من الشرق إلى الغرب في إطار
ما يؤكد عليه بعض المفكرين من أن المصادر الثلاثة للحضارة الغربية
المعاصرة تتمثل في الديانة المسيحية و الفكر أو الإرث الإغريقي
والقانون الروماني. وتفيد قراءة التاريخ أن المسيحية التي انتقل
اصلها أو أساسها للغرب من الشرق مثلت في ما بعد عاملا أساسيا من
العوامل التي شكلت موقف الغرب تجاه الشرق ومن ثم طبيعة التفاعل
بينهما . و بالمثل فان اليهودية التي انتقلت للغرب من الشرق مارست
وتمارس اليوم دورا مؤثرا في تشكيل التفاعل ما بين المجموعة
الحضارية الإسلامية والمجموعة الحضارية الغربية . وفى الاتجاه الآخر
أسفر التفاعل القديم ما بين الشرق والغرب عن انتقال الفلسفة
الاغريقية من الغرب إلى الشرق حيث ازدهرت و تلاقحت مع التراث الشرقي
في بعض مراكز الشرق الفلسفية كالاسكندرية وحران وانطاكية .
وبالإضافة إلى الجانب المعنوي (
الثقافي) كانت الغزوات المتبادلة بين الشرق والغرب تسفر عن وجود مادي
سياسي – عسكري( احتلال) أو مدني ( جاليات) لكل منهما في إقليم الآخر.
ومع ظهور الإسلام وقيام الدولة
الإسلامية بدأ المسلمون حملة تحرير لأرض الشرق من الوجود السياسي-
العسكري الغربي( الروماني) . وامتدت هذه الحملة لتصبح غزوا عسكريا
لإقليم الغرب أفضى إلى قيام وجود مادي للمجموعة الحضارية الإسلامية
في الغرب الأوربي .
وقد أتاح الوجود الإسلامي في إقليم
الغرب الفرصة لمثاقفة واسعة . فقد حملت المجموعة الإسلامية معها إلى
الغرب ديانة سماوية ثالثة ( الإسلام) قاومت انتشارها هناك الديانتان
السماويتان اللتان سبقتاها في الانتقال إلى الغرب . وحملت المجموعة
الإسلامية معها أيضا ما كانت قد تلقتها وعربتها من الفلسفة
الإغريقية مصحوبا بالإبداع الفلسفي الإسلامي وطرفا من الأدب الشرقي
. ومثل تأثير الدين الإسلامي في ظهور الحركات الإصلاحية الدينية
المسيحية ( البروتستانتية والكالفنية) وتأثير الفلسفة الإسلامية
والعلم التجريبي الإسلامي على الفكر والعلم التجريبي الغربيين من
خلال عملية الترجمة التي نشطت في الغرب في القرنين الثاني عشر
والثالث عشر وتأثير الفقه الإسلامي على القانون الدولي وخاصة
التجاري على النحو المذكور في المصادر ذات الصلة بعض أهم إسهامات
الإسلام في النهضة الأوربية التي أسفرت عن الحضارة الغربية
الرأسمالية .
وأيا كان مدى الاستفادة منه فان
الوجود المادي الإسلامي في الغرب مثل استفزازا مباشرا دفع القوى
الغربية المتضررة إلى استنهاض شعوب الغرب لمقاومة الوجود الإسلامي
فى حركة مسلحة انتقلت ، ابتداء من القرن الحادي عشر، من تحرير الغرب
من الوجود السياسي – العسكري الإسلامي إلى غزو لدار المجموعة
الإسلامية في ما عرف بالحروب المقدسة أو – لاحقا- الصليبية والتي
أسفرت عن استعادة الغرب لوجوده المادي في الشرق الإسلامي .
وبينما ظل بعض الوجود المادي الإسلامي
في الغرب ( أسبانيا) صامدا أمام حركة التحرير الغربية تصدى المسلمون
للحملة الصليبية التي استهدفتهم في عقر دارهم وطاردوا الوجود
السياسي – العسكري الغربي حتى دحروه عن أرضهم في نهاية القرن الثالث
عشر . وما أن تمكنت المقاومة الغربية من استكمال تحرير الغرب من ما
كان قد تبقى فيه من الوجود السياسي – العسكري الإسلامي بتصفية
الوجود الإسلامي (العربي) في الأندلس في القرن الخامس عشر لم تمكث
المجموعة الإسلامية طويلا قبل أن تبدأ غزوا مضادا مكنها من استعادة
الوجود الإسلامي( التركي) في الغرب عبر القرنين السادس عشر والسابع
عشر
ومع نهاية القرن الثامن عشر تكرر الغزو
الغربي ( الفرنسي) للشرق الإسلامي العربي وامتد الغزو إلى القرن
التالي حيث تحول إلى هجمة واسعة عرفت بالتكالب الاستعماري الغربي
والذي أسفر عن إعادة المجموعة الحضارية الغربية للوجود السياسي -
العسكري الغربي ( البريطاني والفرنسي و الإيطالي والهولندي) في
معظم أنحاء العالم الإسلامي .
وامتد الوجود الغربي
الاستعماري في الشرق الإسلامي حتى عقد السبعينات من القرن العشرين.
وخلال فترة استعمارها للشرق الإسلامي وانفرادها بالقيادة الحضارية
فان المجموعة الحضارية الغربية الرأسمالية أشعلت ، و لاول مرة في
التاريخ المعروف، حربين عالميتين اكتوت بنيرانها كلتا المجموعتان
الحضاريتان الإسلامية والغربية، وكرست تقسيم المجموعة الحضارية
الإسلامية إلى كيانات سياسية( دول) عديدة، وزرعت الكيان الصهيوني في
قلب إقليم المجموعة الحضارية الإسلامية، وأقدمت على نهب موارد
المجموعة الحضارية الإسلامية وسائر المناطق المستعمرة .
وحمل الوجود الغربي معه الثقافة
الغربية، والتعليم الحديث الممزوج بالقيم الغربية و التبشير
المسيحي الغربي، وبعض النظم الإدارية والقانونية والسياسية
والعسكرية ، وقليل من التقنية المتطورة نسبيا . وقد كان لمجمل ذلك
إيجابياته المشهودة وان لم تخل من سلبيات كرست إشكاليات ومشكلات
خطيرة ما زالت قائمة في العالم الإسلامي .
وخلف اندحار الوجود الاستعماري الصريح
للمجموعة الحضارية الغربية ( الأوربية) عن إقليم المجموعة الحضارية
الإسلامية تنامي نفوذ المجموعة الحضارية الغربية ( الأمريكية) .
ومع أن هذا النفوذ يعتمد أساسا على استراتيجيات وأساليب سياسية
واقتصادية وثقافية إلا انه ظل يتكأ أيضا على وجود عسكري ما في
الإقليم يحتفظ به ( القواعد العسكرية) أو يسانده ( العسكرية
الصهيونية) لما قد يلزم من مهام عسكرية. وسلفا استخدمت وتستخدم
المجموعة الحضارية الغربية هذا الوجود العسكري أو ساندته في بضع
حروب أو عمليات عسكرية محدودة استهدفت المجموعة الحضارية الإسلامية
أو بعضها منذ منتصف القرن الماضي.
وبصورة عامة يمكن القول انه بالرغم مما
شابتها من المواجهات العسكرية أو العنيفة فان فترة ما بعد رحيل
الوجود الغربي الاستعماري عن إقليم المجموعة الحضارية الإسلامية
اتسمت بتصاعد وتيرة التفاعل التعاوني ما بين المجموعتين في مختلف
المجالات بما فيها المجال العسكري حيث ارتقى فيه التعاون من مستوى
التدريب والأسلحة إلى مستوى التحالف ضد طرف ثالث ( المعسكر الشيوعي)
أو طرف إسلامي ( العراق وأفغانستان) . ولعل من أهم ما اتسمت به
الفترة المذكورة ظهور ترتيبات ثابتة للحوار ( الخطابي) بين
المجموعتين، بعضها ترتيبات رسمية إما ثنائية قطرية( ما بين بعض
أقطار المجموعتين) أو إقليمية( الحوار العربي – الأوربي) أو دولية (
الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها) وبعضها ترتيبات شعبية كلجان
الحوار بين الأديان والمراكز والمؤسسات ذات الصلة بالحوار.
ومن بين الملامح العديدة التي يمكن أن
يتكشف عنها التأمل في مسار التفاعل بين الشرق/المجموعة الحضارية
الإسلامية من جهة والغرب/ المجموعة الحضارية الغربية من جهة أخرى
يتجلى بوضوح ملمحان أساسيان :
- يتمثل الملمح الأول في غلبة الأسلوب
الصراعي على مسار التفاعل بين الطرفين . على انه يلاحظ أن هذا
الأسلوب الصراعي شهد مؤخرا ، أولا، الانتقال المتنامي للتركيز من
الشكل العسكري للصراع إلى أشكال أخرى للصراع كالشكل الثقافي والسياسي
والاقتصادي و، ثانبا، التحول الملحوظ في الشكل العسكري نفسه من نمط
الاحتلال أو الاستعمار الصريح المستمر إلى نمط الحملات أو الغزوات
المحدودة أو المحددة الأهداف و، ثالثا, انتقال صورة المواجهة
العسكرية من مستوى الشمولية والتمايز الحاد بين الطرفين إلى مستوى
الجزئية والتداخل الملحوظ بين المجموعتين . ففي الماضي كانت
المواجهة العسكرية اقرب لان تكون شاملة ومتمايزة أي تشارك أو تتحالف
قوى أو وحدات كل طرف في المواجهة ككتلة واحدة أما الآن فان المواجهة
العسكرية تميل لان تكون مجزأة و متداخلة أي أن قوى ووحدات كل طرف
تمارس المواجهة العسكرية على انفراد أو كمجموعات أو تحالفات محدودة
وبينما كان التجمع أو التحالف يتم بين قوى أو وحدات كل طرف على حدة
اصبح واردا أو واقعا تحالف بعض قوى و وحدات مجموعة حضارية ما مع قوى
ووحدات المجموعة الأخرى ضد بعض قوى أو وحدات مجموعتها الحضارية .
وهذا التجزؤ في المواجهة العسكرية و التحالف مع الآخر ضد البعض من
المجموعة يبرز بوضوح في سلوك المجموعة الحضارية الإسلامية.
- يتمثل الملمح الثاني في التنامي
الملحوظ للأسلوب الحواري في التفاعل بين المجموعتين على النحو
المشار إليه آنفا . وقد بدأ هذا الأسلوب الحواري مؤخرا يشكل توجها
رئيسا بفضل ما يجده من دعم من المجموعتين و خاصة لصورته العملية (التعاون
العملي) وما يلقاه من حرص متفاوت من المجموعتين لصورته الخطابية (
الحوار الخطابي) .
ومن الواضح أن الملمحين
المذكورين متناسقان ويشكلان معا تطورا إيجابيا في مسار التفاعل بين
المجموعتين . ويتعين أن يمثل التحديد السليم للعوامل الأساسية التي
ساهمت في إيجاد وتكريس هذا التطور الإيجابي الخطوة الأولية اللازمة
لكل من يحدوهم الأمل والحرص على تعزيز هذا التطور الإيجابي بغرض
محاصرة الأسلوب الصراعى ، وخاصة العسكري، الذي هيمن على مسار
التفاعل بين المجموعة الحضارية الإسلامية والمجموعة الحضارية الغربية
(الرأسمالية) من خلال تشجيع اعتماد الأسلوب الحواري في التفاعل بين
المجموعتين.
ثانيا- العوامل ذات الصلة بمسار
التفاعل:
وإذا ما حاولنا مقاربة
مسألة تحديد العوامل الأساسية وراء التطور الإيجابي المشار إليه في
مسار التفاعل بين المجموعتين في إطار ما سبق ذكره من العوامل
المؤثرة في التفاعل بين المجموعات الحضارية نجد أن سائر العوامل
المؤثرة المذكورة شهدت متغيرات ، بعضها إيجابية وبعضها سلبية، صاحبت
التطور الإيجابي في مسار التفاعل بين المجموعتين . وإذا تبدو غير
مناسبة للمقام، فوق أنها عصية عمليا، محاولة تتبع وتقييم كافة
المتغيرات التي شهدتها كل العوامل المذكورة فسنكتفي في ما يلي
بإيجاز المتغيرات الأساسية لما نعتقد انهما العاملان الأكثر تأثيرا
على التطور الإيجابي الذي شهده مسار التفاعل بين المجموعتين، وهما
عامل التصور للذات والآخر وعامل البيئة الدولية:
التصور للذات والآخر :
الأرجح، وفقا للمصادر
المتوفرة، أن التصور للذات والآخر في بدايات التفاعل بين الشرق
والغرب و-في ما بعد- بين المجموعة الحضارية الإسلامية والمجموعة
الحضارية الغربية كان اكثر سلبية مما اصبح عليه لاحقا . ولعل مما
يفيد بهذا الخصوص أن نتذكر أن التصور للذات والآخر كان سلبيا حتى
داخل المجموعة الواحدة أي حتى عندما يكون المعني بالآخر هو الآخر
القريب والذي ينتمي لنفس المجموعة . فالمفاخرة بالذات وتضخيمها مقابل
هجاء الآخر القريب والانتقاص من قدره في مجتمعات كانت تنقسم أفقيا
( قبائل) وراسيا ( طبقات) إلى ذات و اخر كان ثقافة سائدة في
كل من الشرق والغرب . وكانت هذه الثقافة السلبية تغذي السلوك الصراعي
بين الفئات الداخلية لكل طرف على النحو الذي سجل بعضه تاريخ الصراعات
القبلية والطبقية في كل من الشرق والغرب . وإذا اتضح أن التصور
للآخر القريب ( من نفس المجموعة) كان بمثل تلك السلبية من الطبيعي أن
نتوقع أن التصور للآخر البعيد ( من المجموعة الأخرى) كان اكثر سلبية.
وذلك هو ما تؤكده المعلومات اليسيرة المتوفرة عن تصور كل من الشرقيين
والغربيين لبعضهم البعض . إذ تشير هذه المعلومات أن الغرب كان يستخدم
لوصف الشرقيين بما فيهم الفرس والعرب لفظا ينم عن نظرة الغربي
الدونية للآخر الشرقي وهو لفظ برابرة . وقد ساد في الغرب تصور
الشرقيين العرب على انهم شعب هائج يعيش علي النهب والسلب وقطع
الطرق كما درج الغرب على إطلاق أوصاف دونية على الشرقيين العرب مثل "أبناء
الجارية" . ويبدو من الروايات التاريخية أن الغرب كان قد فوجئ بما
كشفت له غزواته الأولى للشرق عن وجود مفكرين وأدباء في الشرق (إيران)
الأمر الذي جعل الاسكندر الأكبر يضطر للكتابة إلى معلمه ارسطو
مستشيرا إياه بشأن كيفية معاملتهم.
وهنالك بعض المؤشرات على
أن الشرقيين كانوا يفتخرون بأنفسهم وتراثهم عندما يلتقون بالغربيين
، ومن ذلك ما يروى عن ما جرت من محاورات بين الصيد وني الزائر
وبوزانياس الذي التقاه في معبد إغريقي وبين الكاهن المصري
والفيلسوف افلوطين . بيد أني لم اقف ، في ما تيسر لي الاطلاع عليه،
على ما يفيد أن الشرقيين وخاصة العرب كانوا أيضا يطلقون على
الغربيين أوصاف سلبية بالضرورة من مثل وصف البرابرة . وصحيح أن وصف
العجم او الاعجم الذي درج العرب على إطلاقه على الآخر ربما يكون
مستثقلا لما قد يستشف منه من ظلال سلبية يوحي بها لفظ العجم وربما
تكون مقصودة أحيانا . بيد أن الدلالة الأساسية للفظ الأعجم لا تحمل
بالضرورة معنى سلبيا تجاه الآخر إذ أنها تقتصر على وصف مختصر لحال من
لا يجيد الإفصاح عما يريد باللغة العربية حتى ولو كان عربيا . ثم انه،
ومنذ البدء، حرص المؤسس الأول للمجموعة الحضارية الإسلامية على
تأكيد مبدأ المساواة بين العرب والعجم بما ينفي عن هذا الوصف الأخير
الدلالة السلبية المحتملة. ولعل المشهور عن العرب انهم دأبوا على
تعميم اسم الروم على كل آخر غربي حتى يقال انهم كانوا يطلقونه أيضا ،
في البدء، على الفرنجة الذين شنوا عليهم الحروب الصليبية.
وقد حملت تعاليم
الديانتين المسيحية والإسلام تصحيحا واضحا لتصورات الذات والآخر لدى
اتباع الديانتين في كل من الغرب والشرق بيد أن ما شاع بين كل من
المسيحيين والمسلمين من مفاهيم سلبية عن الآخر الديني كان لها تأثير
سلبي بالغ على التصور للآخر الديني لدى كل من المسيحيين والمسلمين .
إذ كان التصور الشائع لدى كل من الفريقين عن الآخر الديني قائما على
المطابقة بين وصفي المسلم والمسيحي و وصمة الكفر والعداوة للدين
الحق . وليس بخاف دور هذه الوصمة في إذكاء الصراعات العسكرية
وبالرغم من أن وصمة الكفر
و العداوة للدين الحق مثلت أساسا مشتركا لتصور الآخر الديني لدى كل
من المسلمين والمسيحيين إلا أن من الواضح أن تصوري الفريقين للآخر
الديني لم يكونا متطابقين . فالمعروف أن تصور المسلمين للمسيحيين
وان ساد فيه القول بكفر المسيحيين إلا انه مال إلى اعتبار كفر
المسيحيين اقل غلظة من كفر المسيحيين حيث اعترف بأصل دينهم و آمن
برسولهم و بجله ووقره تماما كغيره من سائر الرسل. كما انه تضمن
اقتباسات من دين وتراث المسيحيين واليهود في محاولة لإشباع رغبة
البعض في تفصيل بعض ما أجمله الإسلام . و، على المستوى العملي،
أضفى تصور المسلمين على تدين المسيحيين اعتبارا ما يكاد يرقى لان
يكون اعترافا عمليا به في المعاملات التي تتم على أساس ديني مثل
النكاح والطعام.
وفي المقابل فان تصور
المسيحيين للمسلمين دأب على تغليظ كفر المسلمين حيث اعتبرهم وثنيين
أو هراطقة بل اعتبر بعضهم – العرب- محرومين من الخلاص بحكم أصلهم .
ولم يحظ تدين المسلمين بأي اعتبار أو اعتراف عملي من مثل ما حظي به
تدينهم عند المسلمين. وبينما تضمن تصور المسلمين للمسيحيين الإيمان
برسولهم وتقديره فان تصور المسيحيين للمسلمين ابتنى على رفض الإيمان
بنبوة رسولهم والحرص على الانتقاص من قدره ونسج الخرافات حوله . وفي
الوقت الذي وضعت فيه روايات المعراج النبوي الإسلامي رسول المسيحيين
مكانا عليا في السماوات العلا فان روايات معراج ( كوميديا) دانتي
المسيحي وضعت رسول المسلمين مكانا سفلا في جهنم .
وهكذا، فان المسلمين/
الشرقيين و المسيحيين / الغربيين وان اشتركوا من حيث المبدأ في
سلبية تصوراتهم للآخر إلا أنه كان هناك اختلاف كمي واضح من حيث مدى
سلبية تصور كل فريق للآخر . ومثلما ينبغي الأخذ في الاعتبار اشتراك
الفريقين في سلبية تصورهما للآخر عند محاولة فهم ظاهرة اشتراك
الفريقين في الاستعداد أو الميل للدخول في صراع عسكري مع الفريق
الآخر واشتراكهما في الجنوح للإبقاء على الأقلية الدينية تحت قدر
أو آخر من الضغط أو المعاملة الدونية ينبغي أيضا الأخذ في الاعتبار
ما سبقت الإشارة إليه من الاختلاف الكمي في مدى السلبية بين تصوري
الفريقين للآخر عند محاولة فهم ما يفيده استقراء التاريخ من
الاختلاف الكمي بين الفريقين في السلوك العملي العدائي تجاه الآخر .
وعلى سبيل المثال يشهد التاريخ أن الوضع العملي للأقلية المسيحية في
العالم الإسلامي لم يتدهور أبدا إلى مثل ما شهده وضع الأقلية
المسلمة في بعض مناطق الغرب ومنها الأندلس في الماضي غير البعيد
والبوسنة في الحاضر القريب.
ومع مرور الزمن بدأ التصور
السلبي للآخر لدى كل من المجموعتين يشهد، ربما بدءا من القرن الخامس
عشر تقريبا ، تحسنا تدريجيا نتيجة عوامل لعل أهمها تراكم التعارف
المباشر بين المجموعتين وتنامي التوجه الأكثر عقلانية في تصور
الذات لدى المجموعتين والتغير العام في وضعهما .
ومن بين العوامل العديدة
التي ساعد\ت على تراكم التعارف المباشر بين المجموعتين والذي اتسم
بمزيد من الواقعية والموضوعية مقارنة بالتعارف غير المباشر بينهما
يمكن الإشارة هنا إلى:
- ما سبق استعراضها من التوسعات
العسكرية للمجموعتين نحو الأخرى وما كان يترتب عليها من وجود مادي
لكل مجموعة في إقليم المجموعة الأخرى لفترات متفاوتة.
- ترجمة كل مجموعة لبعض تراث الأخرى
. وقد بلغت حركة الترجمة قمتها أولا لدى المجموعة الحضارية
الإسلامية في القرنين التاسع والعاشر بينما بلغت قمتها في الغرب في
وقت لاحق يتحدد بالقرنين الثاني عشر والثالث عشر . وقد مهدت الترجمة
لاعتناء المؤسسات التعليمية في الغرب بالدراسات الإسلامية والشرقية
وتدريس بعض مؤلفات المسلمين المترجمة
- الهجرات والتحركات البشرية غير
العسكرية بين المجموعتين سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية أو علمية
أو سياحية أو دينية
- التقدم في تقنية النشر وفي التقنية
الإعلامية .
وعكس التحسن التدريجي في
تصور الغرب للآخر المسلم والإسلام نفسه في ظهور كتابات أو دراسات
غربية تنتقد التصور الغربي السائد للإسلام وتعرض الإسلام والشرق من
وجهة نظر اقرب للواقع و، بالتالي، اكثر موضوعية . ويمكن الإشارة هنا
إلى كتابات ارنولد فون و ريتشارد سيمون والمستشرق رلاند والفيلسوف
بيل والاستاذ اوكلي وما كتبه مارتن لوثر عن ما اسماه "خرافات
الأوروبيين و جهالاتهم" عن الإسلام .
وقليلا قليلا أصبحت
النظرة الغربية الأكثر موضوعية – نسبيا- تجاه الإسلام والشرق تنتقل
تدريجيا إلى الدراسات اللاهوتية ثم إلى الكنيسة نفسها . وقد مهد ذلك
لان تظهر في الغرب بوادر التحول عن وجوب الصراع بين المسيحية
والإسلام إلى إمكان التحاور بينهما. وقد كان لمواقف ودراسات بعض
المستشرقين والفلاسفة اللاهوتيين من أمثال لويس ماسينون دور في
تشجيع تحرك الغرب نحو الحوار المسيحي – الإسلامي .
على أن التوجه العملي
والمعترف به من قبل السلطات الكنسية في الغرب نحو الحوار بين
المسيحية والإسلام لم يتأتى إلا بعد أن شهد تصور الفاتيكان للإسلام
في الستينات من القرن العشرين تطورا إيجابيا مذهلا يرقى لان يعتبر
ثورة دينية في موقف الفاتيكان من الإسلام . فلأول مرة في تاريخ
الكنيسة الغربية ناقش المجمع الفاتيكاني الثاني ، والذي حضره ولأول
مرة أيضا أساقفة من الشرق ( آسيا وإفريقيا) ، العلاقة بين الكنيسة
والديانات غير المسيحية واصدر بيانا خاصا بذلك في عام 1965.
وانطوى مجمل التحول
الإيجابي في تصور الغرب للآخر المسلم/ الشرقي والذي توجه بيان
المجمع الفاتيكاني الثاني المشار إليه آنفا على تراجع عن كثير من
المقولات النمطية غير الموضوعية والتي هيمنت على التصور الغربي
للآخر المسلم / الشرقي فترة طويلة من الزمن ساهمت خلالها في تكريس
التفاعل الصراعي العسكري بين المجموعة الغربية والمجموعة الإسلامية/
الشرقية . وشمل هذا التراجع مقولات من مثل أن العرب مستبعدون من
وعد الخلاص الإلهي بحكم أصلهم ( كونهم أبناء الجارية)، وان المسلمين
وثنيون وهراطقة، وان المسلمين ورسولهم شهوانيون ومتحللون جنسيا ،
وان الإسلام دين لاعقلاني ، ووجوب الحرب المقدسة ضد المسلمين ، وجواز
استعمار الشعوب غير المسيحية . ومما جاء في تصحيح بعض تلك المقولات
في البيان الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني استبدال تسمية أبناء
إسماعيل بتسمية أبناء الجارية والتأكيد بان " الخلاص سيشمل أولئك
الذين يعترفون بالخالق وأولهم المسلمون" و " أن الكنيسة تنظر بعين
الاعتبار أيضا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحي القيوم"
و أن المسلمين " يعتبرون أيضا الحياة الأخلاقية " ، وتضمن البيان
الدعوة للحوار وتناسي عداوات وصراعات الماضي. ومع أن البيان لم يصرح
بقبول نبوة رسول الإسلام إلا انه امسك عن ترديد الخرافات والمقولات
التي شاعت في الغرب عن رسول الإسلام ولم يتمكن من التحرر منها تماما
حتى أسماء شهيرة في الغرب مثل دانتى و فولتير وشكسبير ومارتن لوثر
البيئة الدولية :
تزامن مد التفاعل الصراعي
العسكري بين الشرق/ المجموعة الحضارية الإسلامية و الغرب/ المجموعة
الحضارية الغربية مع وجود بيئة دولية من حيث الطبيعة النظامية
( التنظيم) ومن حيث الأعراف والقيم السائدة ذات الصلة بالسلوك
الدولي.
فالأمم السابقة سواء من
الغربيين ( الإغريق والرومان) أو الشرقيين ( الفينيقيين والمصريين)
لم تكن فقط تؤمن بمشروعية الحرب ، دفاعية كانت أم هجومية، وإنما كانت
أيضا تبجل الحرب وتقدسها حتى أنها كانت تنصب لها آلهة شتى. والعرب
نظموا الكثير مما اشتهروا به من الشعر في التفاخر بالحرب وشدة
المراس فيها .
ومع أن الديانات السماوية
جاءت أساسا لتحقيق العدل والسلام فان مراجعها المتداولة تضمنت نصوصا
فهمها البعض، عن حسن نية ، على أنها تدعوا لقتال الآخر الديني وتبرر
شن الحروب الاعتدائية عليه ووظفها البعض الآخر ، بخسة وسوء نية ،
لتحقيق مآرب خاصة. وشملت تلك النصوص أقوالا من مثل " إما مدن هؤلاء
الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما" في
اليهودية ، و " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما بل سيفا" في
المسيحية، و" أمرت أن أقاتل الناس " في الإسلام .واستنادا إلى مثل
تلك الأقوال ظهرت في الديانات الثلاث مقولات ومفاهيم فقهية تكرس
الصراع العسكري بين المجموعات الحضارية . وبالمثل تضمن الفكر
البشري غير الديني منذ ما قبل ظهور الديانات السماوية المعروفة
مقولات تبرر وتمجد الحروب الاعتدائية ضد الآخر بقدر اكبر من الصراحة.
وفى ظل افتقار البيئة
الدولية لتنظيم أو نظام دولي يحد من الاندفاعات المتهورة كان من
الطبيعي أن تكرس مثل تلك الأقوال والمقولات والمفاهيم والأعراف
التابعة لها شيوع التفاعل الصراعي العسكري بين المجموعات الحضارية
بما فيها المجموعة الحضارية الإسلامية والمجموعة الحضارية الغربية .
ومع مرور الزمن بدأت
البيئة الدولية تشهد تطورا إيجابيا تدريجيا تمثل بدءا في ظهور
المواقف والأقوال والمفاهيم التي تناهض الصراع العسكري بين الجماعات
وتدعو للسلام بين الشعوب . وتبع ذلك قيام مؤتمرات وتفاهمات
وتنظيمات إقليمية تهدف لحفظ الأمن ومنع الحروب . وتطور مجمل ذلك إلى
بلورة إجماع دولي على حظر الحروب الاعتدائية في مواثيق دولية و
إقليمية وقيام منظمات دولية وإقليمية ساهمت من خلال مراعاة مواثيقها
، و في ظل تنامي سيادة المفاهيم الدولية السلمية، في الحد من
الصراعات العسكرية بين المجموعة الحضارية الإسلامية والمجموعة
الحضارية الغربية و بينهما وبين سائر المجموعات والكيانات الدولية
الأخرى .
ثالثا - الوضع الراهن للتفاعل بين
المجموعتين :
إذن ، نتيجة لمثل ما سبق
أن استعرضناه آنفا من تطورات بناء ة في عامل التصور للذات والآخر
وعامل البيئة الدولية والتطورات المماثلة في العوامل الأخرى شهد
التفاعل بين المجموعة الحضارية الإسلامية/ الشرق والمجموعة الحضارية
الغربية / الغرب تطورا إيجابيا تدريجيا ولكن تراكميا أيضا أسفر مع
مرور الزمن عن بروز الأسلوب الحواري التعاوني كتوجه أو خيار رئيسي
أنهى منذ منتصف القرن الماضي تقريبا غلبة أو هيمنة الأسلوب الصراعي
العسكري على مسار التفاعل بين المجموعتين منذ البدء .
وكما أن الفترة التي غلب
أو هيمن فيها على التفاعل بين المجموعتين أسلوب أو نزعة الصراع
العسكري لم تخل – كما يبين استعرا ضنا السابق- من بعض اوجه التفاعل
الحواري والتواصل السلمي وخاصة في المجالات العلمية والتجارية، فان
الفترة التالية والتي برز فيها الأسلوب الحواري والتعاون السلمي
كاتجاه رئيسي في التفاعل بين المجموعتين لم تخل من بعض اوجه التفاعل
الصراعي العسكري .
بيد أن مما يثير القلق أن
السنين الأخيرة من فترة بروز التفاعل الحواري كاتجاه رئيسي شهدت
وتشهد انتكاسة في المسار تتمثل في ما هو مشاهد من التصاعد الملحوظ
في حدة التوجه أو التفاعل الصراعى العنيف أو العسكري بين
المجموعتين. والشواهد على ذلك حاضرة في الأذهان بل بعضها الأكثر
ماثلة للعيان .
وإذ تتملكنا جميعا الرغبة
في تفهم افضل لهذه الانتكاسة في مسار التفاعل بين المجموعتين فان من
الطبيعي أن تتباين أطر أو مناهج مقاربتها من شخص لاخر ومن جهة لأخرى
. وفي اتساق مع وجهة تركيزها تكتفي هذه الورقة بتتبع متغيرات التصور
للذات والآخر التي صاحبت هذا التصاعد في حدة التفاعل الصراعي .
انتكاسة التصور الغربي السائد للذات
والآخر :
لقد تزامنت الانتكاسة
المشار اليها في مسار التفاعل بين المجموعتين مع انتكاسة مماثلة في
التصور الغربي السائد للذات والآخر المسلم . والذي يبدو أن عوامل
عديدة يأتي في مقدمتها التفوق الهائل الذي حققته المجموعة الحضارية
الغربية في مختلف المجالات والأداء أو السلوك السلبي للمجموعات
الحضارية الأخرى وخاصة المجموعة الحضارية الإسلامية جعلت التوجه أو
التيار العلماني الليبرالي الذي قاد هذا التفوق وصارع طويلا لتحقيقه
يعيش حالة من زهو الانتصار المشوب بهاجس أو قلق تامين هذا الانتصار
أو التفوق بينما – في المقابل – جعلت المجموعات الحضارية الأخرى أو
فئاتها الفاعلة تتطلع إلى مثل مكانة أو تفوق المجموعة الحضارية
الغربية . ونتيجة لأخطاء الطرفين في إدارة هذا التقابل برز أو تصاعد
التوجه الصراعي ومع احتدام الصراع سارع كل طرف للاستقواء بكل مصدر
محتمل للقوة، وكان التراث أحد هذه المصادر التي لجأ إليها الطرفان .
ولا يبدو أن هناك خلاف حول
كون رجوع المجموعة الحضارية الإسلامية ، اعني جل قواها الفاعلة،
لتراثها حقيقة أو واقع قائم يشهد له مجمل الخطاب الإسلامي السائد
الذي يركز على ، ضمن أشياء أخرى، التغني بالماضي التليد و إحياء
فقه المواجهة والجهاد القتالي واسترجاع مقولات أو مفاهيم فقهية
تكرس الصراع بين المجموعة الحضارية الإسلامية و المجموعات الحضارية
الأخرى أو بعضها مثل مقولات تقسيم العالم إلى دارين أو فسطاطين
ووجوب فرض الشريعة على العالم بالقوة و... الخ .
وما قد يبدو محل خلاف أو
استغراب هو القول بان المجموعة الحضارية الغربية أيضا لجأت للتراث .
والواقع ، في تقدير هذه الورقة، أن لجوء المجموعة الحضارية الغربية
لتراثها في ما يتعلق بمواجهتها للمجموعة الحضارية الإسلامية ليس اقل
وضوحا من لجوء هذه الأخيرة إلى تراثها في مواجهتها للأولى . بل أن
التأمل في مسار تطور التصور الغربي للآخر يشير إلى أن الغرب داب على
استدعاء المكونات السلبية لتصوره للآخر من تراثه كلما شعر بتهديد
حقيقي أو متوهم من قبل هذا الآخر . ومعلوم انه يوجد في الغرب حاليا
اعتقاد بان إلا سلام يمثل مصدر تهديد له. ويكفي قليل من التأمل الذي
يتجاوز مباني الخطاب الغربي المعاصر إلى مضامينه لاكتشاف أن سراة
القوى العلمانية الليبرالية من المفكرين والسياسيين في الغرب قد
ارتدت في خطابها المتعلق بالمجموعة الحضارية الإسلامية إلى تبنى
تصورات ومفاهيم لا تعدو في اغلبها أن تكون نسخا محدثة أو أجيالا
جديدة لنفس التصورات والمفاهيم التي كانت قد تبنتها الأصولية
الاكليركية الغربية في فترة غلبة الصراع العسكري على التفاعل بيم
المجموعتين الإسلامية والغربية .
فكما كانت تتخيل أو تتصور
الأصولية الاكليركية الغربية ذهبت سراة العلمانية الليبرالية تتصور –
على مستوى الذات- أنها تمتلك الحقيقة المطلقة والتي تتمثل من وجهة
نظرها في الحضارة الغربية المعاصرة ذات التوجه العلماني الليبرالي
والتي حسبوها نهاية التاريخ الحضاري البشري . وترتب على ذلك أن اصبح
عندهم معيار الغربية أو معايير الحضارة الغربية هو المرجعية في تقييم
الآخر. وبنوا على ذلك ، وعلى عوامل أخرى ، ضرورة بسط الحضارة
الغربية أو، بالأحرى، ثقافتها وقيمها ونظمها على العالم كله وذلك
تماما كما كانت ترى الأصولية الاكليركية الغربية ضرورة بسط نسختها
من الديانة المسيحية على العالم كله. وفي ما يذكر ببعض مقولات تراث
فترة غلبة الصراع العسكري على التفاعل بين المجموعتين الإسلامية
والغربية من مثل مقولات شعب الرب أو عبء الرجل الأبيض أو تفوق
الجنس الآري بدأت سراة العلمانية الليبرالية تردد مقولات من مثل
مقولة القيادة الغربية ( الأمريكية) للعالم .
ولم يكن إلا أمرا طبيعيا
أن يقود مثل هذا التصور المضخم للذات سراة العلمانية الليبرالية
الغربية إلى نفس ما قاد إليه الأصولية الاكليركية من تبني تصور
للآخر ( المسلم) يميل إلى تقزيمه واستلحاقه واختلاق المبررات
الفكرية / الدينية لتعريض هذا الآخر للاستضعاف الخشن أن استعصى على
الاستلحاق الناعم . وسرعان ما جرفت الرغبة في إيجاد تلك المبررات
سراة العلمانية الليبرالية إلى نبش ذاكرتها التاريخية أو تراثها
الثقافي بحثا عن ذات المقولات النمطية التي كانت قد رسختها في التصور
الغربي للآخر ( المسلم أو الشرقي) الأصولية الاكليركية الغربية. وقد
استعاد خطاب سراة العلمانية الغربية تلك المقولات النمطية إما بذات
مسمياتها أو مبانيها اللغوية مثل مقولة الأمم المتمدينة والأمم
المتخلفة أو بمسميات مستحدثة مثل الإرهاب الإسلامي بدلا عن بربرية
الشرق أو وحشية الإسلام ، والأصولية الإسلامية بدلا عن التعصب
المحمدي ، و اسلامفوبيا بدلا عن الرعب التركي أو الإسلامي و...الخ.
وفي ما يعد تناقضا صارخا
مع علمانيتها ارتدت سراة العلمانية الليبرالية بخطابها ، ربما تحت
ضغط هاجس استقطاب كل القوى في مواجهة الخصم، إلى ترديد بعض
المقولات أو الشعارات الدينية أو الإيديولوجية الطابع مثل شعار
الحروب الصليبية أو العادلة ومقولة عالمي أو محوري الشر والخير و
مقولة من ليس معنا فهو ضدنا ومقولة الأنظمة المارقة .
لعل في ما سبق ما يرجح
القول بان سراة العلمانية الليبرالية قد انتكست بالتصور الغربي
للآخر المسلم إلى تصور أشبه بالتصور الذي كانت تروج مقولاته
الأساسية الأصولية الاكليركية الغربية في فترة غلبة الصراع العسكري
على التفاعل بين المجموعتين الإسلامية والغربية منه بالتصور المتقدم
الذي ساد في فترة ما قبل هذه الانتكاسة .
وفي ضوء هذه الانتكاسة في التصور
للآخر المسلم و ما درجت عليه قوى العلمانية الليبرالية- على مستوى
الممارسة- من مناهضة بسط الديمقراطية في المنظمات الدولية التي
تجمعها مع الآخر وتطبيق معايير مزدوجة على الآخر في الساحة الدولية
وتردي بعض فئاتها إلى مستوى فرض العلمانية وإقصاء الآخر المسلم
بالقوة العسكرية لا يبدو أمرا غير متوقع أن يتهيأ للبعض أن بعض
سراة العلمانية الليبرالية قد تحولوا أو كادوا إلى أصولية أخرى
لا تختلف كثيرا عن الأصولية الاكليركية الغربية- خصمها اللدود
القديم, ولا عن الأصولية الإسلامية- خصمها اللدود الجديد.
وتستدعي محاولة تحسين الفهم لهذه
الانتكاسة بغرض معالجتها المعالجة الواعية والسليمة الأخذ في
الاعتبار، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، بملاحظات عدة يمكن أن نشير منها
هنا إلى:
- يفيد التأمل في مسار تطور
التصور الغربي للآخر أن هذا التصور- وهو ما يصح أيضا وان بدرجات
متفاوتة على التصور غير الغربي للآخر - يميل إلى التأثر
بالقضايا والاجندة الداخلية للغرب ، وخاصة قواها الفاعلة، اكثر من
تأثره بما يتوافر لديه من المعطيات والحقائق الموضوعية عن الآخر أي
أن تصور الغرب للآخر وثيق الصلة بتصوره لمصالحه وبحيث يرجح أن التغير
الرئيسي في تصوره للآخر غالبا ما يتبع تغيرا مماثلا في تصوره
لمصالحه المتصلة بهذا الآخر . ولعل ذلك يفسر التغير الإيجابي
التلقائي في التصور الغربي للآخر اليهودي مع تغير تصور الغرب لمصالحه
المرتبطة باليهود كما يفسر التباين الملحوظ في موقف الغرب من نفس
المسالة بتباين مصالحه منها وعلى سبيل المثال وصف الغرب الثوار
الجزائريين ضد الاحتلال الغربي ( الفرنسي) بالإرهابيين بينما وصف
الثوار الأفغان ضد الاحتلال السوفيتي بأبطال الحرية . هذه الملاحظة
تفترض أن الانتكاسة الحالية في التصور الغربي للآخر المسلم لها صلة
بتغير في تصور الغرب لمصالحه المتعلقة بالآخر المسلم.
- يسود بين مفكري وسياسيي
الغرب اعتقاد مفاده أن الغرب يحتاج دائما إلى وجود أو تصور وجود عدو
خارجي لكي يبقى متماسكا ومتحفزا للعطاء والإبداع . وسواء صح أم لم
يصح يظل هذا الاعتقاد مؤثرا في التصور الغربي للآخر لان من يصنعون
هذا التصور أساسا هم المفكرون والسياسيون الذين يروج بينهم هذا
الاعتقاد. وإذ يشير ذلك إلى أن تصوير الغرب للإسلام أو المسلمين
كمصدر تهديد له قد يكون مرده أساسا هو الرغبة في اختلاق عداوة وليس
الوجود الحقيقي لمثل هذه العداوة فانه يرجح أيضا ما أوردناه في
الفقرة السابقة من ارتباط التصور الغربي للآخر بتصوره لمصالحه والتي
تتمثل هنا أساسا في ضرورة وجود أو اختلاق عدو لتامين بعض مصالح
الغرب الداخلية . ومع ذلك يصح القول أن كون الآخر المسلم وليس غيره
هو من وقع عليه الاختيار ليصبح العدو المتوهم يرجح احتمال وجود
عوامل تتعلق بالآخر المسلم نفسه جعلته الأكثر تأهلا لهذا الاختيار
.
رابعا- إعادة توجيه مسار التفاعل بين
المجموعتين:
أن المهمة الأساسية التي
تبرزها المقاربة السابقة للتفاعل بين المجموعتين الحضاريتين
الإسلامية والغربية هي ضرورة إعادة توجيه مسار التفاعل بين
المجموعتين نحو الوجهة السليمة. ومن الواضح أن ذلك يستدعي معالجة
واعية وشاملة لكل العوامل المؤثرة على التفاعل بين المجموعتين بما
فيها العوامل المذكورة سابقا . ويتعين أن تتضمن هذه المعالجة ، مثلا،
تطوير البيئة الدولية التي يتم فيها هذا التفاعل من خلال تفعيل دور
المنظمة الدولية بجعلها- أولا - اكثر استقلالية و- ثانيا- اكثر
ديمقراطية ، وإيجاد ترتيب ما لتأمين الحق في المعالجة القانونية
للمسائل الدولية محل الخلاف متي ما فشلت أو تعذرت المعالجة السياسية
، والسعي لإحداث تغيير إيجابي في المفاهيم التي توجه النمط السائد
في معالجة الفاعلين الدوليين لمعادلة المبادئ- المصالح في الشأن
الدولي.
أما في ما يتعلق بمعالجة
مسالة التصور للذات والآخر فيمكن القول بناء على ما سبق ذكره أو
توضيحه أن هذه المعالجة تتطلب مهاما منها:
- تشجيع التعارف الموضوعي
بين المجموعتين وذلك من خلال التزام كل مجموعة بالسعي لبلورة تصور
اكثر موضوعية لكل من الذات والآخر و- في نفس الوقت - السعي لتصحيح
تصور الآخر لها . ويتطلب ذلك أن تعيد كل مجموعة النظر في خطابها(
الإعلامي والأكاديمي والثقافي ) بهدف تنقيته من كل ما هو غير
موضوعي سواء عن الذات أو الآخر والتأكد من تضمنه الحد الأدنى من
التعريف الموضوعي بالآخر.
- الترتيب لحوارات ثقافية
مشتركة من بين أهدافها الأساسية رصد المآخذ والاتهامات الثقافية
المتبادلة والنظر في معالجتها معالجة موضوعية . ونعتقد أن من المفيد
بهذا الشان التمييز بين المآخذ وتصنيفها إلى فئتين، تضم الأولى
المآخذ التي من شأنها أن تعرض آمن أو حقوق المجموعة الأخرى لتهديد
حقيقي مباشر وتضم الثانية المآخذ التي يقتصر أثرها السلبي -
الحقيقي او المتوهم- على المجموعة المعنية و لا تنطوي على تهديد
حقيقي مباشر لامن أو حقوق المجموعة الأخرى. ولعل من الواضح أن مما
يستلزمه مثل هذا التصنيف اختيار المنظور أو الاستراتيجية المناسبة
لمعالجة كل فئة على حدة. فبينما تتعين معالجة الفئة الأولى من
المآخذ بما يضمن إزالة أو إنهاء تهديدها لامن أو حقوق المجموعة
الأخرى يتعين أن لا تهدف محاولة معالجة الفئة الثانية من المآخذ
اكثر من إجراء حوار موضوعي حولها وترك الخيار للمجموعة بشأن التخلي
عنها أو الاحتفاظ بها احتراما لحرية الاختيار الثقافي في النطاق
الذي لا يضر بالآخر و انطلاقا من التسليم بنسبية الأحكام العقلية
وخطورة ادعاء كل فريق امتلاك الحقيقة المطلقة .
- مهما تكن أهمية الحوار
الخطابي بين المجموعتين وكيفما كان إتقانهما له لن يكون في مقدوره
ضمان بلورة تصور إيجابي للآخر طالما كان السلوك الفعلي للآخر سلبيا
أو مؤذيا . ومن هنا تبرز ضرورة أن يكون الحوار الخطابي مشفوعا
بالحوار العملي السلوكي الذي يبدأ بقيام كل مجموعة بالمعالجة العادلة
لتظلمات الأخرى والالتزام بالكف عن ظلم الأخرى ويمتد، من ثم، إلى
تعزيز التعاون في مختلف المجالات تحقيقا لتشابك المصالح المتبادلة
وترسيخا لأواصر الألفة والمحبة التي يستدعيها التعاون وتبادل المصالح.