|
"إن السياسة ما كان فعلا منها يكون
معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، فهي من الشّرع وإن لم
يضعه الرسول ولا نزل به وحي...(ذلك أن) مقصود الشريعة إقامة العدل
بين العباد، وقيام الناس بالقسط فأي الطريق استخرج بها العدل والقسط
فهي من الدين وليست له".
ابن عقيل الحنبلي
عن علال الفاسي "مقاصد الشريعة
الإسلامية ومكارمها"
هل يمكن أن نعتبر الفكر الإصلاحي العربي فكرا اجتهاديا؟ وهل أن في
تردد مصطلح "الاجتهاد" ضمن أدبيات النهضة العربية ما من شأنه أن يجعل
خطابها خطابا اجتهاديا، أو أنه خطاب ينطوي على رؤية ما للاجتهاد
الديني، وطريقة في ممارسته، وهل أن خطاب "الإصلاحية" العربي من حيث
هو دعوة إلى الاجتهاد وإلى إعمال الرأي وإعادة فتح الاجتهاد واستئناف
فعل الاجتهاد في الدين نابع في حد ذاته من روح اجتهادية وإيمان
بضرورة الاجتهاد إيمانا أملته أطر ثقافية وظروف اجتماعية وسياسية
داخلية وخارجية. وهل أن دعوة الإصلاحية العربية إلى التجديد وتعميم
التعليم وإرساء الحكم العادل والنهضة الشاملة نابع من ممارسة
للاجتهاد الديني على نطاق واسع يتجاوز حدود التشريع واستخدام مصادر
التشريع الكلاسيكية إلى العمل بالمقاصد والفهم المقاصدي وهل يعني هذا
أن الفكر الإصلاحي العربي في جانب منه قد ساهم في فتح باب الاجتهاد
بعد أن ساد القول إن باب الاجتهاد قد أغلق وما هي حدود هذا الاجتهاد،
وكيف يلتقي في هذا الإطار التفكير الإصلاحي بالاجتهاد المقاصدي.
وإذا سلمنا بأن الفكر العربي الإصلاحي مارس الاجتهاد أو تمثل فهما ما
للاجتهاد ما هي انعكاسات ذلك على المنظومة الفكرية الدينية في
الإسلام وإلى أي حد ساهم هذا الخطاب الإصلاحي الاجتهادي في تطوير فهم
الدين، وفي التوفق للإجابة عن أسئلة الرّاهن الفكرية والاجتماعية
والسياسية؟ ومن ثم يجوز لنا أن نتساءل في مستوى ثان عن الدور الذي
لعبه الفكر الإصلاحي العربي من جهة كونه قراءة للمتن الديني : القرآن
والسنة وأقوال الصحابة والتابعين-قراءة ساهمت في تسييج هذا المتن
تحويله إلى مجال لا مفكر فيه، أي هل من علاقة ما بين اتجاهات بعض
الرؤى الإصلاحية، وما ظهر بعد من قراءات سلفية منغلقة ومتشددة للنص
الديني. لعلنا نجد جانبا من ذلك واضحا في الخط الفكري "لجماعة
المنار" بقيادة محمد رشيد رضا (ت1935) حيث انزاحت أدبيات هذه الجماعة
عما نادى به الشيخ محمد عبده (ت1905)، ومن قبله الشيخ جمال الدين
الأفغاني (ت 1897)من جرأة في التفكير، وعمق في الفهم، وإيمان بدور
العقل في تفسير النصوص الدينية والاجتهاد فيها، ولعل الانزياح اتضح
عندما تبنت الجماعات السلفية تفسير؟ جماعة المنار وأدبياتهم وحولته
إلى إيديولوجيا منغلقة ترفض التحديث والتجديد الفكري. ولعل هذه
الفرضية تدفعنا حتما إلى التساؤل عن دور الاجتهاد الديني اليوم، أو
عن طبيعة الاجتهاد الديني، وما يمكن أن ينشغل به العقل المجتهد اليوم
في الدين، وفي الفكر الديني؟ لكن الخوض في ذلك يستوجب منّا أن نمرّ
بالأطوار التالية التي ستمثل مجموع العناصر الفرعية التي تكّون
البناء الهيكلي لدراستنا هذه. وأول هذه العناصر الخوض في معنى
الاجتهاد ودلالته وعلاقته بالنص الديني، وثانيها بيان دلالة مفهوم
المجتهد وشروطه، وثالثها النظر في علاقة الفكر الإصلاحي العربي
بالاجتهاد الديني بحسب ما تمت الإشارة إليه أعلاه متخذين من خير
الدين التونسي (ت 1891) ومحمد عبده (ت1905) مثالين لهذه المقاربة مع
التطرق إلى رؤية للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (ت1873) الذي مثل خطابه
أساسا نظريا للفكر الإصلاحي العربي، ومن خلال ذلك نخلص إلى النظر في
انعكاسات مفهوم الاجتهاد لدى الإصلاحية العربية وشكل حضوره في خطابها
على الواقع وفي التاريخ، وعليه يمكن القول إن ذلك يمثل محاولة
للإسهام في بناء تصوّر لمهمة المجتهد أو المفكر المجتهد في الدين
اليوم في ضوء التحولات المتسارعة، وتعدد أنساق المعرفة وتقدم أنماط
الحياة وتعقّدها.
مفهوم المجتهد وشروط الاجتهاد
إن من يمارس الاجتهاد بحسب شروطه في الإسلام يسمى المجتهد، والمجتهد
تتداخل شروط ممارسته للاجتهاد بالشروط التي تجعل منه مجتهدا أصلا،
ويبدو أن أول هذه الشروط أن يكون فقيها أي عالما بالأحكام الشرعية
وطرق الاستدلال عليها واستخراجها من أدلتها الإجمالية أو التفصيلية
إذ الفقه ركن لازم والاجتهاد الديني يتعلق بالتشريع للأحكام واستنباط
حلول شرعية وفقهية لمسائل وقضايا مستجدّة في حياة الناس ومعاشهم،
وفي ممارستهم لطقوسهم وشعائرهم أو ما به يصح إيمانهم وتثبت عبادتهــم
ومن هنا عرف المجتهد بأنه الفقيه الذي استفرغ وسعه لتحصيل حكم شرعي"
(1).
وتجدر الإشارة إلى أنه هناك من رفع مكانة المجتهد إلى
منزلة وراث علم النبوة فهو قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه
وسلم بوصفه وارثا لعلم النبوة ومبلغا إياه إلى الناس، وبوصفه معلما
ومرشدا للأمة ومنذرا لها مبشرا، فهو إن لم يكن نبيا لكن في طبعه
ومزاجه أقرب إلى مزاج النبوة(2) وهذا ما يحيل عليه الحديث القائل "إن
العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما،
وإنما ورثوا العلم"(3).
ولعله من هذا المنطلق آمن مفكري عصر النهضة والإصلاح من
علماء الدين وفقهاء الشريعة بضرورة إحياء الدين العقيدة وبث روح
التجديد في الفكر الديني والتشريع وجعله مواكبا لقضايا العصر مستوعبا
للمستجدات الحادثة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتنظيمات الحديثة
في السياسية والاجتماع، ومن هنا ترددت تلك الفكرة التي تعتبر أن
العلماء المصلحين والمجتهدين المجددين أئمة يرثون علم النبوة ويجددون
للأمة دينها.
أما في خصوص شروط الاجتهاد فأولها أن يكون المجتهد مسلما
فلا يقبل الاجتهاد ممن لم يصدق بصحة الرسالة المحمدية واصل مصدرها
ذلك أن أساس الاجتهاد في الإسلام الإيمان بالوحي وبصدق الموحى إليه،
وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن لم يؤمن بالوحي، وصاحبه، فكيف
يجتهد مستندا إلى أساس، هو غير مسّلم به؟.
كذلك لابد وأن يكون المجتهد مكلفا أي بالغا عاقلا، فلا اجتهاد لصبي،
ولا لمجنون، لأنهما غير مكلفين أي بالغا عاقلا، فلا اجتهاد لصبي، ولا
لمجنون، لأنهما غير مكلفين في حق نفسيهما، فكيف يكلفان في استنباط
الأحكام، أو تبليغها لغيرهما؟
ومن شروط المجتهد –كذلك- تلك الصفات النظرية التي لا بد للمجتهد أن
يتصف بها : الذهن الصافي، والبصر النقاد، والفكر المستقيم بلا عوج،
والقدرة النادرة على تبين سبيل القصد، بين الإفراط والتفريط، ومراعاة
الاعتدال بينهما، والقوة على التفكير المجرد من تأثير الأوضاع
الراهنة، أو العصبيات القديمة الراسخة على طول القرون، والشجاعة
والجرأة على مزاحمة سير الزمان المنحرف، والأهلية الموهوبة للقيادة
والزعامة الفكرية والكفاءة الفذة للاجتهاد...وكونه مسلما حقا في وجهة
نظره وفهمه وشعوره، يمييز بين الإسلام، وغيره من الدينات الأخرى، حتى
في جزئيات الأمور، ويبين الحق ويفصله عن ركام المعضلات التي أتت
عليها القرون(4).
ويشترك كذلك العلماء في المجتهد علمه بالكتاب، ونعني كتاب
القرآن باعتباره المصدر الأول للتشريع من جهة أسباب نزوله ومحكمة
ومتشابهة ومجمله ومفصلة ومطلقة ومقيدة وناسخة ومنسوخة والقراءات
وعلوم اللغة واللسان أو ما يصطلح عليه حديثا بمناهج القراءة وذلك حتى
يتبين مراد الله من خطابه، ويدرك تعدد وجوه الفهم وطرائق الاستنباط،
ويشترط كذلك معرفته بالسنة النبوية متمثله في أقوال الرسول محمد عليه
الصلاة والسلام أو في أفعاله أو كذلك ما أقره وارتآه موافقا لروح
الشريعة ولهذا سند في القرآن وهو قوله تعالى وما أتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا"(5). وهذا يفترض منه العلم بالفقه وقواعد
الاستنباط.
وتضاف إلى هذا كله ضرورة أن يكون عالما بأحوال عصره وقضايا أمته
وأسباب التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي أدت إلى بروز
بعض الظواهر، أو حلول بعض القضايا وينجم عن هذا بدوره أن يكون
المجتهد مطلعا على علوم عصره وأمهات مسائل العلم والمعرفة وجديد
الكشوفات سواء منها ما تعلق بالعلوم الصحيحية الطبيعية والطبية أو
العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتهاد والأنتروبولوجيا وعلم
النفس، وذلك لإمكان أن تكون هناك صلات وعلاقات تأثير وتأثر بين ما
يقول به من أحكام أو الوقائع والمستجدات الحادثة وكشوفات هذه العلوم
أو دورها في بناء الحكم الشرعي على الناحية السليمة.
1-في معنى الاجتهاد، ودلالاته :
تجدر الإشارة بادئ ذي بدء إلى إشكالية تحديد مفهوم الاجتهاد وتحوّل
دلالاته عبر العصور بتحوّل الظروف والأطر الاجتماعية وتقدم حركة
العلوم والمعارف التي تؤثر بدورها على النظر في النص، واستنباط
أحكامه ومعانيه، ومن ثم فنحن نجد تحولا في مفهوم الاجتهاد الديني أو
اتساعا في دلالته يختزل معه الاجتهاد ليصبح يعني "استفراغ الوسع من
الفقيه في استخراج حكم شرعي ظني (وفي هذا) لا يكون المجتهد قد اجتهد
إلا إذا كان قد بذل غاية جهده في المحاولة حتى أحسّ من نفسه العجز عن
المزيد"(6). وقد يوسع في دلالة مصطلح الاجتهاد إلى حدّ يعني معه
ضرورة تجديد الفكر الديني.
أما إذا أردنا أن نتبع على نحو من التدقيق دلالة هذا المصطلح ومعاينه
المباشرة والمحتملة فإن علينا أن ننطلق من النظر في معنى الاجتهاد
الذي هو مأخوذ من "الجهد" بالضم على لغة الحجاز، والفتح في لغة
غيرهم. ومعناه : الوسع والطاقة. وهو مصدر من جهد في الأمر جهدا، وجهد
الأمر جهدا، من باب : نفع إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجهده
الأمر والمرض جهدا أيضا: إذا بلغ منه المشقة، ومنه جهد البلاء(7).
وجاء في لسان العرب : الاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود. وفي
حديث معاذ : أجتهد رأيي. وهو بذل الوسع في طلب الأمر. وهو افتعال من
الجهد والطاقة. وقد علق ابن منظور على كلمة معاذ (اجتهد رأيي)، فقال
: والمراد به ردّ القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب
والسنة، ولم يرد به الرأي الذي رآه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب
ولا سنة(8).
وعرف الاجتهاد في شرح القاموس على النحو التالي: الجهد بالفتح والضم:
الطاقة والوسع، وقال ابن الأثير: هو بالفتح : المشقة، وقيل :
المبالغة، والغاية. وبالضم: الوسع والطاقة، وقيل : هما لغتان في
الوسع والطاقة(9).
وفي خصوص صلته بمعنى المشقة ومنتهى الطاقة فقد جاء في، قوله
تعالى:"وأقسموا بالله جهد أيمانهم" (سورة النور، الآية 53).
ولهذه الدلالات اللغوية صلة بالمعنى الاصطلاحي لأن الفقيه المجتهد،
يبذل وسعه وطاقته في طلب استنباط الحكم من الأدلة، أو من قواعد
الشريعة الكلية العامة، وهو يبلغ في ذلك لدرجة المشقة والاجتهاد، وهو
يبلغ الغاية في الطلب، لا يألو، كما ورد في عبارة معاذ (أجتهد رأيي،
لا آلو) أي لا أقصر(10).
وأما معنى الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء : فقد عرفه الغزالي بقوله : هو
عبارة عن بذل المجهود، واستفراغ الوسع، في طلب العلم بأحكام
الشريعة...بحيث يحسّ من نفسه بالعجز عن مزيد طلب(11).
وعرفه الشوكاني قائلا : هو بذل الفقيه الوسع في نيل حكم شرعي، عملي
بطريق الاستنباط...قال : وهو سبيل مسائل الفروع، ولهذا تسمّى هذه
المسائل : مسائل الاجتهاد، والناظر فيها مجتهدا، وليس هكذا حال
الأصول(12). وعرّفه البيضاوي بقوله: هو استفراغ الجهد في درك الأحكام
الشرعية(13).
ولئن اختلفت العبارات في تعريف الاجتهاد وتنوعت، فإنها في جملتها لا
تخرج في مدلولها عما جاء في هذه التعاريف.
وقد تنبه بعض الدارسين المعاصرين إلى ضرورة تخصيص معنى الاجتهاد بهذا
المعنى بقوله "فمن لم يبذل وسعه وطوقه، حتى يحس من نفسه بالعجز، عن
مزيد الطلب، لا يقال فيه –فقها- اجتهد، ومن اجتهد في أمر لغوي، أو
حسي، أو عقلي، لا يعتبر مجتهدا، اصطلاحا، على نقل الشوكاني، ومن اخذ
الأحكام من ظواهر النصوص، أو حفظها، أو تلقاها من المفتي، أو كشف
عنها في كتب العلم، لا يقال له : مجتهد، اصطلاحا. وإن كان يصدق عليه
الاجتهاد اللغوي"(14).
ويبدو أنه في السياق ذاته يندرج تعريف الكمال بن الهمام أن الاجتهاد
: (بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي، عـقليا كان أو نقليا،
قطعيا كان أو ظنيا(15).
وطبقا لهذا فإن القياس جزء من الاجتهاد، ويؤدي كل منهما إلى استنباط
حكم شرعي فيه بذل جهد. إذ الذي يقيس مسكوتا عنه على منصوص على حكمه
لعلّة جامعة بينهما، ويعطي حكم المنصوص للمسكوت عنه، يمارس نوعا
وجزءا من الاجتهاد. وقد سئل الشافعي ت 204هـ عن الاجتهاد والقياس
أهما اسمان لمعنى واحد أم مختلفان، فأجاب إنهما اسمان لمعنى
واحد(16).
وكذلك الشأن في الاستحسان والاستصلاح والرأي، على ما يرى الشيخ عبد
الوهاب خلاّف الذي يقول : "إن الاجتهاد بالرأي نوع من أنواع الاجتهاد
العام، لأن الاجتهاد العام يشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم المراد
من النص الظني الدلالة، ويشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم بتطبيق
قواعد الشرع الكلية، ويشمل بذل الجهد للتوصل إلى الحكم، فيما لا نص
فيه، بالقياس، أو الاستحسان، أو الاستصلاح، أو غير هذا من الوسائل
التي أرشد الشرع إليها، للاستنباط فيما لا نص فيه"(17).
وكما هو واضح فإن هذا المنحى الذي نحاه خلاّف شبيه بما ذهب إليه
الشافعي في اعتباره الاجتهاد والقياس اسمين لمسمّى واحد.
وتتحدد مجالات الاجتهاد في ما لا نص فيه من خلال ما تركه الشارع
للنظر قصدا أو في ما تعلق بالنصوص الظنية ومشتبه الآيات، والنصوص
الظنية(18) سواء ما كان ظني الثبوت كنصوص الحديث أو ظني الدلالة كآي
القرآن المشتبه منها أو المجمل أو المحتمل للتأويل، وهذا يعني أن
الاجتهاد يرتبط بالتأويل فالمجتهدون يؤولون ليدركوا مقصد الشارع،
فالآليات التي يتبعها المجتهدون كالقياس، أو المصلحة المرسلة، أو
الاستحسان، أو استصحاب الحال، أو غير ذلك كلها ترتبط بآليات التأويل.
وقد اعتبر الفقهاء أن حكم الاجتهاد فرض كفاية على عموم المسلمين،
بحيث إذا قام به بعضهم ممن كان مؤهلا له، سقط التكليف عن البقية
الباقية من الناس، إذ ليس كل الناس مؤهلين له، ولو تفرغوا جميعا
لتحصيل وسائل الاجتهاد، لتوقف سير الحياة، وتعطلت مصالح الناس،
بالإضافة إلى أن ذلك ليس في طوق جميعهم من حيث المواهب والاستعداد
الفطري.
ولذلك وجد في الأمة طائفتان : طائفة المجتهدين الذين يدرسون
ويسنبطون، ويعطون لكل نازلة حكمها، ويفتون الناس بما وصل إليه
اجتهادهم، وطائفة المكلفين المستفتين الذين يسألون المجتهدين
ويقلدونهم، قال الله تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة،
ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم، إذا رجعوا إليهم...(سورة التوبة،
الآية 22).
قال القرطبي : هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، لأن المعنى : وما
كان المؤمنون لينفروا كافة، والنبي صلى الله عليه وسلم مقيم لا ينفر،
(أي لا يذهب مع المجاهدين) فيتركوه وحده، وبعدما علموا أن النفير لا
يسع جميعهم، (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) وتبقى بقيتها مع
النبي صلى الله عليه وسلم، ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا فيه، فإذا
رجع النافرون أخبروهم بما سمعوه وعلموه. وفي هذا إيجاب التفقه في
الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية، دون الأعيان. ويدل عليه أيضا قوله
تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (سورة الأنبياء، الآية
7) فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن(19).
2-الاجتهاد في الخطاب الإصلاحي العربي : (محمد عبده وخير الدين)
لقد تكثفت الدعوات المنادية بتجديد الفكر الديني عن طريـق الاجتهاد
أو بإعادة فتح باب الاجتهاد لتجديد الفكر الديني وتجاوز الوضع
الإشكالي لعلاقة المسلم المعاصر بدينه وبتراثه الديني، وقد ظهر ذلك
منذ فجر الفكر الإصلاحي حيث تدمج بعض المقاربات مؤلفات مفكري الإصلاح
وأعلام النهضة العربية ضمن باب الاجتهاد في الدين سيما في ما تعلق
بإيجاد مواقف وحلول للقضايا عرفها الواقع الاجتماعي والسياسي من خلال
مباحث فقه والاجتهاد في فقه النص الديني، ومن هذه القضايا : العدالة
والديمقراطية والعمل بالتنظيمات والهياكل النيابية والحريات وحقوق
المرأة (20).
وقد جاءت أغلب اجتهادات المصلحين ومفكري النهضة من نوع الاجتهاد
المطلق أو الاجتهاد المقاصدي حيث يتم التفكير في إيجاد حلول للوقائع
والمسائل دون إتباع طريقه المتقدمين من الفقهاء أي عبر التدرّج في
البحث عن الحكم الشرعي من خلال مصادر التشريع والأدلة بحسب تراتيبها،
فالاجتهاد المقاصدي هو الذي يبحث عن الأحكام والمواقف طبقا لروح
الشرع ومقاصده العامة التي ترجع إلى كلّيات خمس كما هو معلوم: حفظ
النفس، حفظ العقل، حفظ المال، حفظ الدين، حفظ العرض، ومن ثم فكل
تشريع انسجم وتوافق مع هذه المبادئ فهو من الدين بالضرورة(21).
ولعل المنحى الاجتهادي في الفكر الإصلاحي العربي تأكد مع الطهطاوي
سواء في كتابه "المرشد الأمين إلى تعليم البنات والبنين"(22) أو
"تخليص الإبريز في تلخيص باريس"(23) حيث دعا إلى الاقتباس عن أوروبا
في مجالات التصنيع والعلوم والفنون معتبرا ذلك من الضرورات التي
تقرها شريعة الإسلام وتستوجبها بل هي من جوهر مقاصدها المشار إليها
أعلاه، وما كانت مؤلفات محمد عبده "رسالة التوحيد"(24) أو "الإسلام
والرّد على منتقديه"(25) وكذلك "الإسلام والنصرانية" بين العلم
والمدنية"(26) إلا محاولات فكرية اجتهادية تأتي من عمق عمل الفقيه أو
عالم أصول الدين ذلك أن محمد عبده هو بالأساس شيخ ازهري أراد
الاجتهاد في الدين لرد الشبه والدفاع عن الإسلام أمام منتقديه وبيان
إقراره قبوله بالآراء المختلفة، واعترافه بحرية المعتقد وان المسيحية
لم تكن أكثر تسامحا من الإسلام مثلما أن هذا الدين- الإسلام-اعترف
بالعقل ودوره في بناء المعرفة وفي فهم الدين وتأويل آي القرآن، وقد
كان هذا موضوع رده على فرح أنطون وأقلام مجلة "الجامعة"، بل إن الشيخ
محمد عبده اجتهد في مسائل كثيرة مثل ضرورة تجاوز الفهم الآحادي
للقرآن إلى الأخذ من كل القراءات والفرق الكلامية المتقدمة والمتأخرة
أو إعمال العقل في مراجعة تفاسير من تقدم أو كذلك إباحة فن التصوير
ووضع حد لتلك الأقوال التي يردد ويقولون أهلها بأن الإسلام منع
التصوير ورحم فنون الرسم.
وقد رخص محمد عبده التقليد في الدين ودعا إلى الاجتهاد من قبل العالم
والمقلد على السواء أي أنه رأى ضرورة النظر معتبرا ذلك شرطا لصحة
العقيدة، ولصحة العبادة، وهو لئن أراد مقاومة الجمود الكائن في فهم
العقيدة وتفسير الشريعة(27) فقد كان يهدف من وراء ذلك أن يجعل من
الاجتهاد أساسا فكريا ونظريا يخرج بموجبه المسلمون من حال التخلف إلى
طور التقدم والحضارة والمدنية الحديثة، وفي هذا يرى محمد عبده "أنه
لابد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معا حتى متى نستطيع أن نواجه
المسائل الجديدة ونقتبس منها ما يفيدنا، لأن المسلمين لا يستطيعون أن
يعيشوا في عزلة، ولابد أن يتسلحوا بما تسلح به غيرهم، وأكبر سلاح في
الدنيا هو العلم وأكبر عمدة في الأخلاق هو الدين، ومن حسن حظهم أن
دينهم يشرح صدره للعلم ويحض عليه، ويدعو إليه، وللأخلاق الفاضلة التي
تدعو إليها المدنية الحاضرة"(28).
إن أبرز ما يميز المنحى الفكري الاجتهادي في المشروع الإصلاحي لمحمد
عبده هو إقامته ذاك الفصل الدقيق : "بين نوع من العقائد يتصل بدائرة
الإيمان ونوع يتصل بدائرة الاستدلال، أي أنه يفصل بين الدين والفكر
الديني عبر حصر المسائل المتعلقة بذاك ورفع القداسة عن المتعلقة
بهذا. يستدل عبده على هذه الفكرة الخطيرة باستدلالين، وأولهما أن
عقائد الجيل الأول لم تردنا مفصلة، وثانيا أن لا فرق بين استدلال
وآخر من حيث إمكانية تطرّق الخطأ، فلا يمكن لفرقة أن تجيز التأويل في
مسألة وتمنعه في أخرى. والنتيجة أن النجاة والإيمان يرتبطان بحد أدنى
من المسائل قد اتفقت عليها كل الفرق، بل كل الأديان، ولا يستثني من
ذلك إلا "الوثنية" و"التعصّّب". أما ما سوى ذلك فهو مسائل الاستدلال
التي يجوز حولها الاختلاف. إن هذا الفصل الجديد بين الدين والفكر
الديني، بين الإيمان والاستدلال، بين الاختلاف والتوحيد، يمثل دون شك
وجها من وجوه رفع القداسة عن الفكر الديني حتى وإن ظل هذا الفكر
معرفة تدور حول المقدس، كما أنه فيه تضييق لدائرة الإيمان وإطلاق
لمزيد من الحرية للنظر العقلي"(29).
على صعيد آخر امتاز منهج محمد عبده في الاجتهاد والإصلاح بحسّ
اجتماعي، وبالنظر في قضايا التشريع من منظور تحولات المجتمع وضرورات
الحياة فهو مثلا اعترض-استنادا إلى مبدإ " الحيّل الفقهية" وتجاوبا
مع قضايا عصره- على تعدد الزوجات فرغم أن المذاهب الفقهية الكلاسيكية
جوز جميعها "التعدّد" فإن هذا لم يمنع عبده من التنبيه إلى أن ذلك
صارت مضاعفاته ومشاكله أكبر من أن تقاوم، ومن هنا سلك حيلة فقهية
لإبطال العمل بتعدد الزوجات، وفي هذا أصدر فتوى هذا أهم ما جاء في
نصها : "...وأما جواز إبطال هذه العادة، أي عادة تعدد الزوجات، فلا
ريب فيه. أما أولا فلأن شرط التعدد هو التحقق من العدل، وهذا الشرط
مفقود حتما(...) وثانيا، قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند
التعدد وحرمانهم من حقوقهن في النفقة والراحة، ولهذا يجوز للحاكم
والقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعا للفساد الغالب. وثالثا، قد
ظهر أن منشأ الفساد والعداوة بين الأولاد هو اختلاف أمهاتهم، فإن كل
واحد منهم يتربي على بغض الآخر وكراهته فلا يبلغ الأولاد أشدهم إلا
وقد صار كل منهم من أشدّ الأعداد للآخر، ويستمر النزاع بينهم إلى أن
يخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي الظالمين. ولهذا يجوز للحاكم أو لصاحب
الدين أن يمنع تعدد الزوجات والجواري صيانة للبيوت من الفساد"(30).
إن عبده يحاول أن يؤسس للمثل الاجتماعية والأخلاقية المنشورة والتي
تكون الدعامة الأساسية لتمدن المجتمع وتقدم أفراده وكأنه يسعي إلى
ذلك عبر الاستناد إلى التفسير الحرفي لنصوص الدين الذي يجعل تعدد
الزوجات قرارا فرديا بيد الرجل، وهو مراد قوله تعالى : "إن خفتم
الاتعدلوا فواحدة"(31). وهو من ناحية أخرى- في إصداره لهذه الفتوى-
"لا يواجه نصا بنص أو يبحث عن تجانس بين النصوص ودلالاتها، وإنما هو
يواجه النص بالواقع ويغلب المشغل الاجتماعي الأخلاقي على التفسير
الحرفي"(32).
هكذا إذ يتبين لنا أن المشروع الفكري الإصلاحي لمحمد عبده كان متأثرا
إلى حد كبير بواقعه ومحكوما بقضايا هذا الواقع وضرورات الإصلاح
الاجتماعي والسياسي، فكان عمله يتوزع بين مهمة عالم الدين والفقيه
المجتهد وواجب المفكر الأخلاقي والمصلح الاجتماعي، وهو دور لم يكن
مطروحا على المجتهد الديني في العصر الوسيط حيث كان عليه فحسب إصدار
الفتاوى وصياغة الأحكام بحسب ما ينزل على الناس من النوازل ومن هنا
جاء ما يسمى بـ "فقه النوازل".
ولعلنا نجد المنحى ذاته في مشروع المفكر الإصلاحي خير الدين التونسي
الذي اشتمل عليه كتابه : "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"(33)
وهو مؤلف تتمحور مباحثه حول ضرورة تحديث المؤسسة السياسية وأجهزة
الحكم وإقامتها على العدل مع الأخذ بالتنظيمات الحديثة وهو يعكس في
ذلك تطلعات النخبة الإصلاحية حينما يؤكد باستمرار أن الاقتباس الذي
يدعو إليه لا ينقض أصلا من أصول الشريعة ولا يتعارض مع مبادئها
وكلياتها والناظر في هذا الأثر يجد أن المرجعية المعرفية التي حددت
مواقف مؤلفه ونحتت أبعاده تتميز ببعدين أساسيين أولهما توسيع دائرة
الاجتهاد في قراءة النص التاسيسي اعتمادا على مفهوم المصلحة والمقصد
وثانيهما اعتبار الواقع التاريخي المنتج الوحيد لنمط القراءة في إطار
نواميس المنظومة الكبرى(34).
لقد استلهم خير الدين روح المنهج والمقصد الشرعي، وقد انتبه إلى ذلك
بيرم الخامس لما عد أقوم المسالك- وأن كان ذلك في أسلوب تقريظي-فهما
إصيلا لأصل المصالح المرسلة وتجاوزا لكتاب ابن القيم الجوزية "في
السياسة الشرعية". ولتأليف الطرطوشي: "سراج الملوك"(35).
وكما يذهب إلى ذلك بعض الدارسين المعاصرين(36)، فإن هذه الشهادة لأحد
الفقهاء المعاصرين لخير الدين هامة على الصعيد الفكري بالخصوص، لأنها
تخبر أولا أن خير الدين جزء من توجه فكري ضارب بجذوره في تراث إسلامي
نوعي، وتنبئ ثانيا بالعلاقة النوعية بين السياسي والفقيه. فكان
التقاطع المبدع لعلاقة الفكر بالسياسية على تباين المقتضيات.
وهو ما يقود إلى الإقرار بأن مسألة التمدن عند خير الدين، وإن كانت
ظاهرة متلبسة بالعمران عموما فإنها لا يمكن أن تتشكل البتة خارج
الفضاء الثقافي، وخارج التعابير الثقافية في مختلف المستويات. وهذا
جعله من خلال كتابه هذا يحرص على التأكيد على معنى التميز والخصوصية
الثقافية والتباين بين الأنا والآخر فيسعى إلى الإقناع، بأن لا علاقة
بين التقدم بمفهومه المادي والإيمان أو الفكر، لأن العنصر الثقافي
يهب المعنى للظاهرة المادية ويمنحها أبعادها التعبيرية والاجتماعية
والروحيّة، ولا أثر للموقع الجغرافي أو الخصوصيات البشرية، فهو
يؤطرها في سياق منظومة من القيم. ولقد كانت بنية الكتاب -"أقوم
المسالك"- ومسار تطور الأفكار فيه دليل على ذلك. وعلى هذا الأساس فهم
خير الدين إن الإسلام باعتباره منظومة دينية قادر أن يستوعب أنماطا
حضارية وثقافية متعددة على صعيد الآن والمكان، وهو ما أصل شدة وعيه
بمعنى الزمن من ناحية وبمعنى الواقع بكل مركباته من ناحية أخرى. وفهم
أيضا أن الآن الحضاري الذي يعيشه ليس له مثل في التاريخ الإسلامي
البشري. وليس أدلّ على هذا من فقرة وردت في خطبة الكتاب يقول فيها :
"...ثم إذا اعتبرنا ما حدث في هذه الأزمان من الوسائط التي قربت
تواصل الأبدان والأذهان، لم نتوقف أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة
حاجة الناس بعضهم لبعض متأكدة، وكل منهم وان كان في مساعيه الخصوصية
غريم نفسه فهو بالنظر إلى ما ينجرّ بها من الفوائد العمومية مطلوب
لسائر بني جنسه"(37).
هكذا يضحى التمدن ركيزة إصلاحية لفكر خير الدين وضرورة حضارية للعرب
والمسلمين وواجبا دينيا يشترك فيه السائس والفقيه وسواء كان هناك
اتفاق وخير الدين في أطروحاته ومقوماته رؤيته الاجتهادية على صعيد
التشريع السياسي وأصوله أو تباينا وإياه وسواء توفق على صعيد الواقع
في إجراء مشروعه أو أخفق بحكم مقتضيات السياسية فإن "أقوم المسالك"
يبقى محطة من محطات الفكر السياسي بتونس وبالبلاد العربية الإسلامية
متميزة ومظهرا أصيلا من مظاهر الاجتهاد لا يمكن الذهول عنه.
من هنا أمكن أن نستنتج بخصوص كتاب خير الدين التونسي "أقوم المسالك"
ومن خلال التقاريض التي قيلت في حقّه، إن الناظر في ذلك لا يخطئ
الحضور القوي لتلك المفاهيم والاصطلاحات الأصولية الفقهية التي نجد
صدى لها كذلك في كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" للمصلح
المغربي علال الفاسي(38). إن الفكر الإصلاحي العربي في بعده
الاجتهادي كان يصدر عن تمثل بعيد الدلالة لما أورده قديما ابن عقيل
الحنبلي (ت513) من أن السياسة ما كان فعلا، يكون معه الناس أقرب إلى
الصلاح وأبعده عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي...(ذلك
أن) مقصود الشريعة إقامة العدل بين العباد، وقيام الناس بالقسط فأي
الطريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست له"(39) وكما
يذهب إلى ذلك بعض الدارسين المعاصرين فلقد مثل هذا النص بجانب نصوص
مماثلة له "شواهد" دالة على وجوب "فتح باب الاجتهاد" وتوسيع مجالاته
لتشمل التنظيمات الجديدة بعد أن تبينت ضرورتها، ينبه إلى أن العلماء
الهداة جديرون بالتبصر من سياسة أوطانهم واعتبار الخلل الواقع
بأحوالهم الداخلية والخارجية وإعانة أرباب السياسة بترتيب تنظيمات
جديدة منسوجة على منوال الشريعة، معتبرين فيها من المصالح أحقها ومن
المضار اللازمة أخفها"(40)، ومثلما تقدمت الإشارة فإن خير الدين
استخدم بصفة مكثفة عبارات المقاصد الشرعية واصطلاحاتها مثل : ارتكاب
اخف الضررين، "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، "جلب المصالح ودرء
المفاسد" ولعله كان للبيئة الزيتونية ولتحمّس بعض شيوخها كسالم
بوحاجب والشيخ محمود قبادو للإصلاح عميق الأثر في بلورة المشروع
الفكري والإصلاحي لخير الدين التونسي وطبعه بالمنحى الاجتهادي
الشرعي(41)، رغم تأثر خير الدين بالمرجعية الفكرية الغربية المعاصرة
واطّلاعه بنفسه على مظاهر التمدن والتقدم التي عرفها الغرب الأوروبي
ووصلت أوجها في القرن التاسع عشر.
بهذا إذن تتضح لنا المعالم الكبرى لفكرة الاجتهاد أو للمنحى
الاجتهادي في الفكر الإصلاحي العربي من حيث هو دعوة إلى التجديد
والتطوير والتقدم الاجتماعي تستلهم المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية
ومناط أحكامها العامة من جهة كونها متعلقة في عمومها بتحقيق المصلحة
ودفع المفسدة، لكن يبدو أن الرغبة في إعادة فتح باب الاجتهاد، واتخاذ
ذلك منهجا لإصلاح الواقع والإجابة عن القضايا المستجدّة لم يكن كافيا
لوحده لبعث الروح من جديد فـي الاجتـهاد أو تحويله إلى حركة فكرية
قائمة الذات لها رؤية متكاملة في معالجة قضايا الواقع في علاقته بفقه
النص الديني، ولعل هذا ما دفع إلى تجديد الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد
والنظر في الأدوات المنهجية والنظرية الواجب اعتمادها في ذلك(42)،
ويبدو أن لتعقد قضايا الواقع وتسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية
وثورة المناهج المعرفية والنظريات العلمية ما يجعل مشكلة الاجتهاد
اليوم أعمق وأعقد بكثير مما كانت عليه بالأمس، ومن هنا كانت ضرورة
نقد طريقة تعامل المصلحين العرب مع فكرة الاجتهاد والوقوف على حدود
استخدام الاجتهاد مبدأ ومنهجا وبيان محدودية تمثل الإصلاحية العربية
لفكرة الاجتهاد وهو ما يذهب إليه بعض الدارسين المعاصرين حيث يقول:
"ذلك أنه وأخيرا لا يسع المتتبع لتطور الفكر في العالم العربي
المعاصر إلا أن يلاحظ أن الممارسة الاجتهادية بعد عهد الإصلاحية
العربية في القرن الماضي، وخاصة في السنوات الأخيرة من القرن
العشرين، لا تزال تعاني من أزمة التراجع، مفتقرة إلى ذلك المستوى
الرفــيع من الفهم الذي يمكن تلمسه لدى بعض كبار المجتهدين ممن عنوا
بـ"التنزيل" للمقاصد الشرعية الكبرى على أحوال الناس ووقائعهم
اليومية ولا ريب أن هناك بونا شاسعا بين المشتغلين بالدراسات الفقهية
والأصولية والمحسوبين على ممارسة الاجتهاد اليوم والمتداولين لمعانيه
ومسائله وبين أولئك المجتهدين الذين أولوا مشكلة تنزيل العلم وضوابط
الاجتهاد على جزئيات الواقع عناية بالغة لا نكاد نجد لها نظيرا في
حياتنا المعاصرة(43).
ولعل هذا يقودنا إلى التساؤل مجدّدا أو الدعوة إلى تعميق السؤال حول
مهمة المجتهد الديني اليوم أو رجل الإصلاح الديني إنها مهمة شاقة من
ناحية وإشكالية ومعقدة من ناحية أخرى، شاقة لأنها تتطلب إلماما دقيقا
وواسعا بالعلوم للعارف الدينية واللغوية في القديم والجديد والعلوم
العصرية الإنسانية والقانونية والصحيحة منها، إضافة إلى المعرفة
التامة بقضايا الواقع وهذا صعب إن لم نقل مستحيل أو هي إشكالية
ومعقدة لكثرة المستجدات العلمية وتتداخل الأقوال والأحكام في المسألة
الواحدة، وظهور القوانين الوضعية، والمواثيق الحقوقية والأخلاقية
التي تنظم بدورها حياة الفرد وتضمن له حقوقة وكرامته وما به يكون
إنسانا أنظر مثلا التداخل الحاصل والمعقدة بين "البيوتيقا" أو ما
يصطلح عليه بـ" الأخلاق الطبية" وأحكام الشريعة والفقه، كذلك ما
يتعلق بقوانين الحريات العامة، وحقوق الأفراد وما يضعه الفقهاء في
هذه المسائل من أحكام تتعلق بعلاقة الفرد بالفرد والرب بالعبد. كذلك
تظهر من حين إلى آخر الكشوفات الطبية والعلمية والمعاملات الاقتصادية
والتجارية ما يكون صياغة حكم متعلق به أمرا معقدا للغاية....
قد يبدو التخصص حلا منطقيا للأمر أي أن يختص مجتهد بشؤون الحياة
كالصحة والطب مثلا أو بالمعاملات المالية، أو بالحقوق السياسية
والمدنية وما يرتبط بها من حريات...
مثلما أنه يبدو من الوجيه أن ينصرف اليوم عمل المجتهد الديني إلى
قضايا أخرى تتعلق بوضع الدين في الحياة وعلاقته بقضايا الوجود
والحرية في أبعادها المتعددة والاستقرار والسعادة والعلاقات مع
الآخر، وهنا تظهر ضرورة الخوص في قضايا الحوار والتسامح والعلاقات
بين الأديان والثقافات والجهاد، وهي قضايا ملحة وإشكالية من الضروري
الخوض فيها. وهذا يعنى أن عمل الفقيه لم يعد متعلقا بالنظر في آيات
الحكام والعبادات بقدر ما يكون واجبا عليه النظر في كليات النص
الديني وسياقات قراءته، ومن هنا يصبح المجتهد متكلما وفيلسوفا ومفكرا
بالضرورة ولعل هذا ما جعل الفكر الإصلاحي العربي ينزاح بعض الشيء
بوظيفة المجتهد ويخرج بها من مجالها التقليدي
وعليه أمكن القول إن إعادة تأسيس مفهوم الاجتهاد وتحديد مهام المجتهد
في ضوء ظهور الهيئات القانونية والحقوقية والدساتير الجمهورية
ومؤسسات المجتمع المدني والكشوفات العلمية الحديثة تصبح أعقد سيما في
ما له صلة بالسياسة وشؤون المجتمع المدني.
الهــوامش
|