المحاضرات
المؤلفات

 

العولمة و المشروع الثقافي العربي

 

1-     تحديات المستقبل

يكثر في أيامنا الحديث عن " نهاية العروبة " و إنحسار المشروع القومي العربي،  خصوصا بعد الأزمات الحادة التي مرت بها المنطقة العربية منذ نهاية الحرب الباردة و تشكل النظام الدولي الجديد.

            و إن كانت هذه التحولات تمس الجوانب السياسية  و الإستراتيجية إلا أنها وثيقة الإرتباط و شديدة التأثير على المشروع الحضاري  للأمة  الذي  مسه الوهن و غدا يعاني من تحديات جسيمة في مستوى مرجعيته و أهدافه و صيغ تحققه.

       و لا بد هنا من توضيح ما نعنيه بالمشروع الثقافي العربي، مثل الوقوف على التحديات التي تواجهه في المدى المنظور و تلمس سبل إحتوائها و رفعها.

       إن عبارة " مشروع ثقافي عربي " تعني بالنسبة لنا حركية النهوض و التحديث التي إنطلقت مع عهد الإصلاحية العربية الأولى في القرن التاسع عشر،  و تمحورت أهدافها في ثلاثة  مطامح أساسية هي :

أولا : تجديد الدين و إصلاحه و بإعادة فتح باب الإجتهاد، و تنقيته من الشوائب التي علقت به خلال عصور الإنحطاط و الجمود، و إبراز الجوانب المشرقة فيه، و تأهيله للتعامل مع التحولات النوعية الجديدة المنبقة عن دخول التقنيات الجديدة و إكتشاف العالم المعاصر.

ثانيا : الإصلاح السياسي و الدستوري بالقضاء على حالة الإستبداد، و إدخال مفاهيم الديمقراطية و إجتماعي حر.

ثالثا : مجابهة الحضور الإستعماري و مقاومة الغزو الغربي الذي تحول إلى ظاهرة عامة في نهاية القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل إلى الإستيطان الصهيوني في فلسطين الذي دشن تحديات جديدة غير مسبوقة، لما تزال قائمة تلقي بأثرها الحاسم على الوضع العربي.

            و لا شك أن هذه الأهداف الثلاثة هي التي نجدها أساطين و رموز الفكر الإصلاحي العربي من رفاعة  الطنطاوي و عبد الرحمن الكواكبي و خيرالدين و محمد عبده و جمال الدين الأفغاني.. قبل أن ينقسم التيار الإصلاحي إلى إتجاهين متساويي : تأصيلي سلفي همه الأساس هو حماية الهوية الدينية للعامة و محاربة الغزو الثقافي و الفكري الغربي، و ليبيرالي تحديثي همه تنوير الفكر و تنوير المجتمع حسب النموذج الغربي. و لعل أبرز ممثل للتيار الأول هو الشيخ رشيد رضا و أبرز ممثل للتيار الثاني هو طه حسين الذي بسط مشروعه في كتابة " مستقبل الثقافة في مصر ".

            و مع بداية عصر الدولة الوطنية المستقلة التي قامت على أنقاض دولة الخلافة، تبلورت التيارات الإيديولوجية التي تقاسمت الساحة الثقافية و السياسية العربية، و إن غدا الهم الأساسي للمشروع الثقافي العربي في مرحلة إستفحال تفكك الأمة و تجذر الخطر الصهيوني هو رفع  شعار الوحدوي و الإندماجي و تبني الخيار القومي الذي تجسد  مؤسسيا في مبادرة إنشاء جامعة الدول العربية و منظماتها و أجهزتها الفرعية المتخصصة.

            و لئن كان الهدف الإندماجي الوحدوي أصبح هو مرتكز المشروع الحضاري للأمة، إلا أن الأهداف الأخرى التي أشرنا إليها ظلت حاضرة بقوة و كثافة في الأدبيات الفكرية العربية، و على الأخص الإصلاح الفكري و الإجتماعي و إعادة بناء المشروعية السياسية عبر المشاركة الشعبية و الإختيار الحر.

            و من الواضح أن مختلف هذه الإشكالات ظلت محكومة بالعلاقة الملتبسة بين يعدي الهوية و التحديث، بإعتبار أن الهوية هي روح الأمة و شخصيتها الحضارية المتميزة  و التحديث هو أفقها التاريخي و طموحها المستقبلي.

            فالسؤال الذي طرح على الفكر العربي بحدة هو : كيف يمكن الحفاظ على هوية الأمة و جوهرها الثقافي مع دفع إستحقاقات التحديث الذي هو المسلك الأوحد للفاعلية و القوة و اللحاق بالأمم المتقدمة ؟

            و الإشكالات الأساسية التي تطرحها العلاقة بالحداثة هي :

-          إستنبات التقنية المعاصرة و العلوم التجريبية الدقيقة.

-          الإقلاع التنموي من خلال سياسات إقتصادية فاعلة

-   بناء هياكل مدنية و إدارية تناسب نمط الدولة الحديثة.

فهل التقنية  ممارسة أداتية إجرائية أم هي رؤية و فلسفة تقتضي القطيعة مع الثقافة التراثية ؟

            و هل التنمية مجرد  مرافق و قدرات مادية و بنيات تحتية و أرقام و مؤشرات أم هي وضع إجتماعي متكامل و حالة إنسانية تدخل فيها إعتبارات القيم و مقتضيات العدل و المناواة ؟

            و هل الدولة هي مجرد سلطة مركزية  تجسد روح الأمة و تصون الأمن الداخلي و مصالح المجموعة أم هي إطار فاعلية المجتمع المدني و مظهر تجسيد  حرية المواطن و إرادته ؟

            إن هذه الأسئلة هي التي شغلت الفكر العربي في مراحل الإستقلال الأولى، في مرحلة شهدت صدام النماذج الإيديولوجية المتناقضة المتأثرة بوضع الصراع القطبي بين المعسكرين  الرأسمالي الغربي  و الإشتراكي الشرقي، في الوقت الذي إرتبط المشروع القوي بنزعة العالم ثالثية ( مبادرة باند فرنغ )

            و من الواضح هنا أن مسألة الهوية طرحت وفق منهجين و رؤيتين مختلفتين:

- وجهة تاريخية  ثقافية ترتكز على الأبعاد الحضارية  و الخصوصية الثقافية، هي التي تشنها التيارات القومية.

- وجهة سياسية أيديولوجية، تركز على الأبعاد الإجتماعية ضمن منظور  عالم تاليتي هي التي تشنها التيارات اليسارية. 

            و في كل الأحوال  كانت إشكالية تحديث المجتمع العربي هي الأفق المرجعي لهذه الإتجاهات و الرؤى.

            و من الواضح أن هذه المفاهيم قد تغيرت جذريا ببروز ظاهرة العولمة التي تحولت إلى هم فكري محوري  في الساحة الثقافية العربية خلال العشر سنوات الأخيرة.

2- تعريف العولمة

        ليس من السهل تقديم تعريف دقيق، جامع مانع لظاهرة العولمة التي كتب حولها الكثير من الدراسات الفلسفية و الإجتماعية و الإستراتيجية و الإقتصادية تناولتها من زوايا و مناهج متباينة و مختلفة.

       و لقد عكست الكتابات العربية هذا التذبذب  في فهم العولمة، و تأرجحت بين إعتبارها مقولة مرادفة لمقولة النظام الدولي الجديد التي شاعت بعد نهاية الحرب الباردة و رفعتها إدارة بوش الأب و قوامها تكريس الأحادية القطبية و هيمنة الولايات المتحدة على شؤون العالم الإستراتيجية، و النظر إليها في بعض الأدبيات اليسارية بصفتها مرحلة إكتمال مسار الرأسمالية التي تتجه موضوعيا إلى توحيد المنظومة الإقتصادية و السيطرة عليها من المركز، و إعتبارها نقطة إكتمال مسار الحداثة و من ثم  التيشير بها و إعتبارها أفقا لا محيد عنه. (1)

       و من الواضح أن هذه التعريفات تعكس تذبذبا واضحا في تفهم ظاهرة معقدة لها جوانبها المختلفة، من بينها الموضوعي الذي لا سبيل لرفضه و التنكر له مثل الثورة الإتصالية و التقنيات الجديدة التي وحدت بالفعل العالم و حولته إلى مجال مفتوح موحد، و منها الأيديولوجي الذي يتخذ من هذه الظاهرة الموضوعية بديلا فكريا يتم الدفاع عنه و التبشير به.

       و الخطورة في هذا الخلط تكمن في عدم إدراك الفرص التي توفرها العولمة من حيث هي محطة ضرورية  في مسار الحداثة الصناعية و التقنية، و تميز هذه الفرص عن مشروع الأمركة و الأحاديث القطبية.

        و كما يوضح غسان سلامة، فإن مسار التحول الإشتراكي نحو الأحادية و مسار العولمة قد تزامنا، لكنهما يختلفان من حيث المنطق و الغاية.

فقد تكون العولمة في مرحلة ما من مصلحة القوة العظمى و قد تكون في بعض جوانبها مناهضة لمصلحتها.

و للعولمة عناصر ثلاثة هي : تورة الإتصالات الراهنة و الإزدياد الكبير في

        الدولية و إنتقال الرأسمالية الكبرى " إلى نوع من البداوة "، و ليست هذه العناصر في ذاتها من مقومات النظام الإشتراكي القائم.

            يقول سلامة " الحقيقة أننا أضعنا وقتا ثمينا في الخلط بين الأمرين، و الحقيقة أيضا أننا إتخذنا في أديان كثيرة  مواقف فقهية  أولاهوتية  من العولمة، فكان بعضنا القليل يدافع عنها إعجابا بالغرب بدون دراية عميقة بعناصرها المحركة، و بعضنا الكثير ينبذها لمساوئها التي لا تعد و لا تحصى " (2)

         و الواقع إن إشكال نمط و طريقة التعامل مع إستحقاق العولمة في أوجه إستخدامها المختلفة ليس مطروحا فقط بالنسبة للمنطقة العربية، بل هو مطروح بالحدة ذاتها بالنسبة لكل الأمم و البلدان التي تجرفها هذه الديناميكية التاريخية المتسارعة.

        و يكفي ليتبين ذلك الرجوع إلى خطابات و تحليلات السياسيين و المفكرين الأوروبيين و اليابانيين و الآسيويين في تتبعها لآثار العولمة على مكونات النظم الإستراتيجية و السياسية و الثقافية لهذه الأمم.

         و تكاد تنفرد الساحة العربية بهذا  النزوع  الإنكفائي الإنعزالي في مواجهة العولمة، في حين تبرز إستجابة الدوائر العالمية الأخرى لهذه التحديات الكونية في مستوى بلورة الرؤى الإستراتيجية  و إبداع التصورات الناجعة الكفيلة بالتغلب على العوائق المنجرة عن إنهيار الهويات الوطنية و الإقليمية و الإستفادة من مكاسب و فوائد توحد المنظومة الإقتصادية الدولية. 

            و كما يقول المفكر الألماني نورمان فان شرينبرغ : " إن العولمة تعني بالمقام الأول بالنسبة لشعوب هذا العالم التحدي و القيام بالشئ الضروري  و اللازم لكي تثبت أنفسها كأمم. و لا يتحقق ذلك بواسطة التقوقع أو الإختباء وراء الأسوار، من خلال إثبات الذات في تنافس الثقافات ". (3)

            و إذا كانت العولمة تطرح تحديات كبرى في مستويات مختلفة، فإن عقدتها الأساسية تكمن في ما تطرحه إشكالات جوهرية على مقومات الهوية الثقافية و نمط الوعي بها.

3- العولمة و المشروع الثقافي العربي

            هل للعولمة مضمونها الثقافي أم أنها مجرد ظاهرة موضوعية قوامها الإقتصاد و توحد العالم بفضا تقنيات  الإتصال.

            كثر الحديث و تباين حول هذه الإشكالية المعقدة التي ليس من السهل الحسم فيها.

            فإذا كنا نرفض القول المبسط بأن العولمة ليست سوى غزوا ثقافيا و تصديرا لنموذج حضاري غربي أو نمط حياة أمريكي، إلا أننا مع ذلك لا يمكن أن ننكر أن لها جوانبها الثقافية. ففضلا عن كون الثقافة تحولت في عصر " الموجة الثالثة " حسب عبارة عالم المستقبليات الأمريكي ألفيس توفلير إلى قاعدة الإقتصاد ذاته بدلا من المادة الصلبة التي كانت مقوم الثورة الصناعية (4)، فإن تحكم الدائرة الغربية ( أمريكا و أوروبا ) بما دعاه توني تعري و مايكل هارت بإمكانات التواصل ( السلام و المال و الأثير) (5) ينتج عنه ضرورة التحكم في المضامين الثقافية.

            و إذا كانت بعض الدراسات الأمريكية تبشر بحقية العولمة بصفتها حقية التبادل الكوني الكثيف و الواسع من خلال الفضاءات الألكترونية المفتوحة، أي بإعادة توماس فريمان بالديمقراطيات الثلاثة (6) : ديمقراطية التكنولوجيا ( أجهزة الكومبيوتر المنزلية للجميع ) و ديمقراطية التمويل ( بطاقات الإئتمان للجميع ) و ديمقراطية المعلومات ( الأنترنت للجميع )، فإن هذا التبادل ليس سوى وهم، بل هو تصدير ذو إتجاه واحد. فالأرقام المنشورة تفيد أن 80 % من مواقع الأنترنت أحادية اللغة ( الإنقليزية )، و أن الأمر يكيين يمتلكون لوحدهم من أجهزة الكومبيوتر أكثر من العالم كله،  كما تتحكم الولايات المتحدة لوحدها في 80 % من منتجات الصناعة الثقافية العالمية. و لذا يمكن القول مع المفكر المغربي عبد الهادي بوطالب : " إن عولمة الإقتصاد و السياسة و نظام الحكم  و التكنولوجيا تفضي حتما إلى عولمة الثقافة التي يراد لها أن تصبح نموذجا فكريا وحيدا تركزه في العقول و الضمائر و الأشرطة  المتلفزة و أشرطة الفيديو أو ذلك التي تبثه قنوات الفضاء  و تطرق به البيوت  و تقتحم الأسر،  و تقدمه كإحدى  وسائل الإيضاح التربوي المعاصر، أو بواسطة شبكات الإشهار، و أغلب ذلك يبث باللغة الإنجليزية " (7).

            فما هي هذه الثقافة التي تقدمها العولمة ؟

            يذهب الكثير من المفكرين العرب إلى أنها غزو حضاري هدفه الدس و التشويه و إستهداف قيمنا الحضارية و الدينية و السلوكية، و بالتالي تكون الإستجابة هي الإنغلاق و التقوقع على الذات.

            و في هذا الموقف الكثير من الخلط و الغلو، فليست العولمة إيديولوجيا نسقية جاهزة على طريقة التشكيلات الإيديولوجية التي عرفناها في حقبة الستينات و السبعينات مثل الماركسية، و إن كانت تبث نمط حياة معين و أسلوب عيش خاص بمجموعة حضارية معينة.

            فالخوف هنا من المبالغة في  النغمة الدفاعية   الإحتمائية و إتخاذها سدا منيعا يحوا دون الإنفتاح و التجدد. و ذلك هو الخط الغالب اليوم على الكتابات العربية حول العولمة، كما يصفه د. محمد سبيلا بقوله : " لقد أصبحت الوظيفة الدفاعية الحمائية  و الإحتمائية خيارا إستراتيجيا في الثقافة العربية المعاصرة.. إنها ثقافة دفاعية و محافظة في المجمل يغلب عليها الدوكسا  و الدوغما أكثر ما تتغلب فيها حاسة العقل النقدي " (8).

            و مع ذلك لا يمكن أن  نجاري الموقف  المقابل الذي يبشر بالعولمة  بصفتها عقيدة العصر الراهن، و نمط التحديث الوحيد المتاح للعرب إن هم أرادوا تدارك الأمم المتقدمة.

            فلقد إنتشر في أيامنا الخطاب النقدي للهوية، و إعتبارها وهما، من منظور نوع من القيمة الكونية الفارغة التي لا نلمسها في الواقع الإنساني الذي  نسمه التعددية و الإختلاف (9).

            فليس من الصحيح أن الدفاع عن الهوية دليل إنغلاق و تعصب و جمود، بل إن صيانة الشخصية الحضارية المستقلة شرط لا غنى  عنه لحماية التنوع الثقافي الذي هو وحده شرط قيام  حوار ندي بين الحضارات و الأمم.

            فالمجموعات الحضارية المختلفة ترفع هذا الشعار و تذود عنه، حتى داخل المنظومة الغربية نفسها. للتدليل على هذه الحقيقة الساطعة، نشير إلى موقف النخبة الفكرية و السياسية الفرنسية الساعي لحماية " الإستثناء الثقافي " داخل بنود إتفاقات التجارة الحرة.

            و قد جعلت منظمة اليونسكو من صيانة حقوق التنوع الثقافي أحد توجهاتها الإستراتيجية الرئيسية، منذ إصدارها " مبادئ التنوع الثقافي " عام 1966 التي تنص في مادتها الأولى :

1- لكل ثقافة كرامة و قيمة، يجب إحترامها و المحافظة عليها.

2-  من حق كل شعب و من واجبه أن ينمي ثقافته

3- تشكل جميع الثقافات، بما فيها من تنوع خصب، و بما بينها من تباين و تأثير متبادل، جزءا من التراث الذي يشترك في ملكية البشر جميعا ".

            و لقد بين العديد من علماء الدراسات الإجتماعية  و المستقبلية أن ظاهرة العولمة و إن كانت تبث على نظاق واسع نموذج الحياة الأمريكي، إلا أنها تؤدي إلى ما عبر عنه المفكر الأمريكي نيجاس باربر بثنائية " الجهاد " و " المال " أي إنتشار النزعات الخصوصية داخل دائرة التبادل الكوني.

            و قد أوضح الدكتور محمود عبد الفضيل هذه الملاحظة بقوله : " توجد مخاطر حقيقية تشتمل عليها ثقافة العولمة، إذا وقفنا منها موقف المتفرجين !  حيث أن هناك تعميقا للفردية و التفكيكية للأفراد، تجسيدا لما يسمى " الديمقراطية الفسيفسائية " على حد قول ألفين توفلر، حيث يهيم الأفراد في فضاء كوني بلا روابط أو عقل جمعي. و ينطبق نفس الشئ على فكرة المواطن الكوني " (10).

            و هكذا يبدو من الواضح أن حق الإحتماء بالشخصية الحضارية و الهوية الثقافية الخاصة شرط أساسي للتعامل مع تحديات العولمة " فالخصوصية الثقافية المحلية الضرورية لنشوء هوية ظاهرة وصفية، أي واقعا فعليا لا يمكن إنكاره، و لا الوقوف معه و لا ضده، لأنها تعبر عن الصفات الخاصة بكل كائن و كل كينونة إجتماعية. و ليس هناك كينونة من دون خصائص ذاتية، أي خصوصية، و إلا إندرجت من غيرها و صارت جزءا منها " (11).

            بيد أن للهوية الثقافية مستويات عديدة متباينة، من بينها :

- الطابع التاريخي الموروث الذي يشكل مجموعة من الثوابت الكبرى التي تسم الشخصية الحضارية للأفراد و الأمم.

- التأثيرات الخارجية المنجرة عن المحيط، و قد إتسعت اليوم و تزايدت إثر تسارع وتيرة توحد العالم من خلال التقنيات الإتصالية و الألكترونية الجديدة.

- الطموح المستقبلي، أي مشروع التغيير و التحول الذي تتبناه المجتمعات و الثقافات إنطلاقا من مثلها و في إتجاه تجديد ذاتيتها.

            فالهوية، و إن كانت أذى حقيقة ساطعة لا بد من الدفاع عنها، إلا أنها ليست مقولة جامدة، أو بعدا ثابتا لا يتغير، بل هي إطار إنتماء لا يمنع التحول و التجدد.

            في هذا السياق، تتعين الإشارة إلى جملة من المطالب المستقبلية التي لا بد من مراعاتها في تفعيل المشروع الثقافي العربي و النهوض به ضمانا لمستقبل زاهر للأمة يحفظ لها هويتها الحضارية  و يسمح لها بالإندماج في عصرها.

أولا : توطيد مرتكزات و مقومات الهوية الثقافية القومية من خلال سياسات و إستراتيجيات منسقة ترمي على الأخص لتدعيم مكانة و حضور  اللسان العربي و تهيئته لتأدية دوره  عنصر وصل و إنتماء بين أبناء الأمة. و يقتضي هذا المطلب الإستفادة من التقنيات و الألكترونيات الحديثة لحفظ اللغة و معرفة إستعمالها،         و تمديده لمختلف المعارف و العلوم الجديدة.

            فلا يزال حظ اللغة العربية من التداول في الشبكات المعلوماتية محدودا هامشيا ( أقل من 0.5 % )، كما أن الإحجام عن إستخدام العربية في التعليم العلمي   و التقني  يتزايد بصفة مثيرة للقلق في مختلف البلدان العربية لصالح اللغات الأجنبية.

            و كذلك الشأن بالنسبة للإنتاج العلمي و بالعربية الذي يقل عن إنتاج بلد أوروبي صغير مثل اليونان أو البرتغال، في حين لا تزال وتيرة الترجمة إلى العربية بطيئة و هشة.

            و غني عن البيان أن اللغة من حيث هي حافظة الإرث الثقافي و إطار التواصل و وعاء المعارف و العلوم تشكل  المرتكز الأساس للهوية القومية، و من ثم ضرورة منحها الجانب الأوفر من الإهتمام في الإستراتيجيات الثقافية العربية العربية المشتركة.

ثانيا : الإسراع في إنجاز تجسيد الأهداف و التطلعات التي قام عليها المشروع الحضاري القومي بصفتها الإستجابة الضرورية و الفاعلة لتحديات العولمة التي تقتضي الوحدات الإندماجية القوية و لا يمكن التعامل معها بواقع التجزئة و الكيانات الوطنية الصغيرة و الضيقة.

            و من هنا ضرورة تحويل الإتفاقيات و المشاريع العربية المشتركة إلى حقائق على الأرض، و منها على الخصوص إتفاقيات السوق العربية المشتركة، و منها أيضا الإستراتيجيات الثقافية و التربوية و الإعلامية التي بلورتها المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم منذ تأسيسها.

            و لا بد من التأكيد هنا أن القومية ليس خيارا إيديولوجيا من الماضي، و لا هي غطاء سياسي أو شعار فكري، و إنما هي أيضا مشروع للمستقبل  يتعين تجديد مفاهيمه و أدواته و آلياته العملية.

ثالثا : تجديد الكيان الثقافي للأمة بالنظر إلى الهوية الحضارية بصفتها ليست مجرد تركة و إرثا و إنما هي تعبير عن مشروع الأمة للنهوض و التجدد.

            و من هنا ضرورة العمل على تجديد أساليب و مناهج و قراءة  موروثنا الثقافي في ضوء العلوم و المعارف  الحديثة، و دفع باب الإجتهاد الجرئ  المسؤول لإصلاح منظومتنا الثقافية.  

رابعا :  إشراك مؤسسات المجتمع المدني و مختلف فاعليات الأمة و قوامها الحية في إستحقاقات المشروع الحضاري القومي الذي ليس خاصا بنخبة فكرية متعلقة تتصوره و تضعه في قوالب إيديولوجية جاهزة، بل هو مشروع يصاغ و يبلور عبر الحوار الديمقراطي الحر و ينجر من خلال آليات التعددية و الإختيار غير المقيد.

خامسا : دفع جهود الحوار الحضاري الندي و المتكافئ مع الثقافات و الحضارات الأخرى مسلكا لا غنى عنه لتجديد الهوية الثقافية في إطار مفهوم الكونية الإنسانية   و التضامن بين بني البشر.

            فالثقافة لا تتجدد إلا بالحوار و الإنفتاح و التواصل، و من الخطأ التعلل بمنطق الذود عن الخصوصية و مواجهة الغزو الثقافي لرفد الروافد الوافدة التي هي مصدر إغناء و ثراء لتراثنا الثقافي الذي إستوعب في فترات النهضة العربية الإسلامية شتى الإتجاهات و المدارس الفكرية و إستوعب تجارب الأمم الأخرى دون إحجام أو تقوقع.

            تلك جكلة من مبادئ صيانة و تجديد الهوية الثقافية، نقدمها منطلقات في بلورة المشروع الثقافي الحضاري العربي إستجابة فاعلة لتحديات العولمة.

 --------------------------------------------

(1)                لتحديد مفهوم العولمة في الخطاب العربي راجع مثلا :

- ندوة العروبة و العولمة -  مركز دراسات الوحدة العربية  ط3 2000

- ندوة العولمة و الهوية – أكاديمية المملكة المغربية  1997

- أحمد صدقي الدجاني : زلزلة في العولمة و سعي نحو العالمية – دار المستقبل العربي 2003

- جلال أمين : العولمة  - دار المعارف   القاهرة ط2   1998

- السيد ياسين : العولمة و الطريق الثالث – ميريت للنشر القاهرة 1999

- السيد ولد أباه : إتجاهات العولمة – المركز الثقافي العربي – بيروت 2001

(2)  غسان سلامة : من  الإرتباك  إلى  الفعل : التحولات العالمية  و أثارها العربية

       دار النهار بيروت 2003 ص 35 – 36

(3) نورمان فان شرينيرغ :  فرص العولمة ترجمة : حسين عمران مكتبة العبيكان 2002  ص 20.

(4) Alvin Toffler : Powershisft. Knoweldge, wealth and  violence at the edge  of the 21st century Bantam Books 1990                     

(5) مايكل هارت، أنطونيو نغري – الإمبراطورية : إمبراطورية العولمة الجديدة ترجمة فاضل جتكر – مكتبة العبيكان 2002  ص 517

(6) Thomas Friedman : the Lexus and the olive tree Anchor Books 2000                                                                                

(7) عبد الهادي بوطالب :  " لا بد من تكامل العولمة و الهوية ليكون العالم واحدا     و متعددا " ندوة العولمة و الهوية  ( ص 126 ).

(8) محمد سبيلا : الثقافة العربية في عصر العولمة في المجلة العربية للثقافة            ( الألكسو ) العدد 43  سبتمبر 2002.

(9) مراجع مثلا :

   على حرب : أوهام النجمة – المركز الثقافي العربي بيروت 1998

(10) محمود عبد الفضيل : مصر و العالم على أعتاب ألفية جديدة  دار الشروق  القاهرة 2000 ص 118

(11) برهان غليون : رهانات العولمة   www.mafhoum.com

  محاضرات أخرى